أقلام الجزائر 24

تعقيب على مقال «رسالة إلى ماركس» للدكتور مصطفى راجعي

هذا المقال هو عبارة عن تعقيب ودي على مقال زميلي وصديقي الدكتور مصطفى راجعي الموسوم بـ ” رسالة إلى ماركس “، الصادر يوم 07 يناير 2017، بالموقع الإلكتروني الإخباري ”الجزائر 24″. وان كنت أشارك صديقي ببعض التصورات وأشاطره في بعض ما قاله، إلا أني أختلف معه في بعض النقاط التي تطرق إليها في مقاله. فأقول أني لست مدافعا عن ماركس ولا عن قناعاته الفكرية والفلسفية التي عمرت طويلا في بلدان كثيرة وسادت عقودا كثيرة من الزمن. كما أني لا أدافع عن الاشتراكية التي جاء بها، ولا عن الأنظمة السياسية التي طبقت نظرياته وأفكاره بقوة السلطان والفكر.
كما أني لا أنكر أن تطبيق الاشتراكية في الكثير من البلدان، ومنها بلداننا الإسلامية. قد جلبت ويلات اقتصادية وكوارث تنموية وانعكاسات سلبية على العديد من المؤشرات الاقتصادية المحلية.
أولا- لقد أشار الأستاذ إلى أن القبر الخاص بالفيلسوف والمفكر الاشتراكي كارل ماركس بلندن، أصبح مزارا عالميا لمختلف السياح والزائرين من كامل أنحاء العالم. وهذا ما أضطر الزوار إلى دفع ما يقارب 10 دولار عن كل زائر، ثمنا لدخول المرقد وزيارة الضريح. وهذا مكسب جديد للرأسمالية على حد قوله، باعتبار أنها حولت ضريح المهاجم الشرس للقطاع الخاص والربح الرأسمالي، إلى مكان لجني الربح وتحقيق إيرادات لمؤسسة خاصة تقوم بالإشراف وصيانة المرقد الخاص بماركس.
وأقول ليس دفاعا عن ماركس، بأن الرأسمالية لم ولن تغير من طبعها الشرس الذي توارثته، والمرتكز على الاستغلال والطمع المادي، حتى ولو تعلق الأمر باستغلال الأموات وقبورهم كمصدر لتحقيق الربح المادي، والدوس على الكرامة البشرية التي كرم الله بها عباده.
فالرأسمالية لم تستغل فقط قبر ماركس كمصدر لابتزاز الزوار والمريدين. بل هي أيضا تجبر الكثيرين من الفقراء في الغرب على دفع كل الرسوم والأتعاب الخاصة بموت أحد الأصول أو قريب من الأقارب. بدءا من إخراج الميت من المستشفى مرورا برسوم نقله إلى الكنيسة أو المقبرة لأداء الشعائر، بما فيها الأجر الخاص بالقسيس أو الأب الذي يتلوا الصلوات وصولا إلى المقابل المادي للدفن وصيانة المقبرة وغيرها….. والتي عادة ما تقوم بها شركات تابعة للقطاع الخاص.
والأكثر من ذلك أن العديد من الأموات الفقراء، كان سبب وفاتهم هو عجزهم عن الدفع لأطباء ومستشفيات خاصة. بل وهناك من أخرجوا بالقوة من مستشفيات ومصحات، وطردوا بشكل وحشي لا إنساني رغم حالاتهم الصحية الحرجة، لا لشيء إلا أنهم فقراء ولا يملكون نفقة وثمن دخولهم للعلاج. بل وهناك من تم رفض إجراء جراحة خطيرة له وفي آخر لحظة، لأنه لم يكمل القسط المالي الخاص بالعملية الجراحية، وترك لمصيره كما أنه لا شيء في هذه الحياة. ولن تكون له قيمة إنسانية مثله مثل الذين يملكون.
ثانيا- إن فكرتك التي تعتبر أن رغبة الزبائن وطالبي السلعة أو الخدمة هي الخالقة للثروة، خلافا لفكرة ماركس التي ترى بأن العمل هو مصدر الثروة، لا تنطبق على كل الأنشطة الاقتصادية. فقد تكون هذه الفكرة صحيحة في بعض قطاعات الخدمات، كالفندقة وشركات الطيران والاتصالات، والملاهي والكازينوهات وغيرها. ولكن ذلك لا ينطبق على قطاعات صناعية وإنتاجية وزراعية أخرى.
فالإنسان رغباته غير محدودة وطلباته لا حدود لها، بل وان رغبات بعض المستهلكين تكون غريبة ولا منضبطة ولا أخلاقية. لذلك وجدت ضوابط دينية وأخلاقية وقانونية لكبح تلك الرغبات الشاذة. لأنها لو تركت على هواها قد تدمر الحضارة يوما ما، كما حدثت مع حضارات بائدة. فمثلا إذا افترضنا أن الرغبات هي التي تخلق الثروة كما قلت، وباعتبار أن البشر رغباتهم شهوانية عدوانية، تميل إلى الكسل والراحة والتسلية وإشباع الغرائز الجنسية والاستهلاكية وغيرها. فمن يعمل إذا؟ ومن ينتج إذا؟ ومن يخلق الثروة إذا؟….أو على الأقل حتى ولو سلمنا بقولك، فان كل الجهود الاستثمارية والمشاريع الخاصة، سوف توجه استثماراتها نحو هذه القطاعات المربحة، والتي تلقى طلبا كبيرا، وبالتالي فسوف تتأثر القطاعات الأخرى سلبا. فلن يفكر الشاب الجامعي عندئذ في التوجه لدراسة الطب أو الهندسة أو الفلاحة أو الأشغال العمومية، بل سيكون تفكيره في توفير مبلغ يساعده في فتح ملهى أو يتاجر في المخدرات أو يفكر في تهريب السلاح أو غيرها، باعتبارها أعمال وأنشطة يكثر عليها الطلب وللناس رغبة وميول لها.
لذلك هنا يأتي دور الدولة في توجيه الأنشطة الاقتصادية نحو الصالح العام والمستقبلي للشعب، باعتبارها الجهة المشرفة التي يجب أن تتصف بالنزعة الأبوية الحانية على مستقبل أبنائها. دون أن تسرف في ذلك، وتمارس وصاية وقبضة قاسية عليهم.
ثالثا- حقيقة أن المعسكر الشرقي انهار وتخلت بعض دول العالم الثالث عن الاشتراكية . ولكن بريطانيا التي دفن فيها ماركس لم تتخلص من الاشتراكية وحسب، بل دٌمر اقتصادها ودٌمرت مؤسساتها العمومية التي كانت ركيزة للاقتصاد المحلي. وذلك بفعل الخوصصة المجنونة والمتسرعة التي انتهجتها ” تاتشر” وزملائها من المحافظين. والكل يعرف بأن افشل مخطط لخوصصة المؤسسات العمومية كان في بريطانيا في نهاية الثمانينات.

مقالات ذات صلة

إغلاق