أقلام الجزائر 24

لماذا تُنعَت الرأسمالية بالوحشية ؟

في حين بدأت تتعالى أصوات المؤيدين لفكرة ” الحمائية ” وتدخل الدولة لحفظ مصالحها الاقتصادية والسياسية في العالم الرأسمالي، يطل علينا بعض الأكاديميين والاقتصاديين في الجزائر بتأكيدهم على قدسية نظريات الاقتصاد الحر، وضرورة الخروج النهائي والكلي للدولة من التدخل في شؤون الاقتصاد. فهم يحاولون تأكيد ولائهم اللا مشروط لأفكار فريدمان وهايك وكروغمان وغيرهم. ولا أعلم إن كانوا مقتنعين بذلك ومؤمنين به أم لا؟. فما يحدث هذه الأيام مع إدارة ترامب ومحاولته لعودة الولايات المتحدة للحمائية، وتهديده بالخروج من اتفاقية التجارة الحرة للمحيط الهادي، وإعادة التفاوض في إطار النافتا، وكذا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى صرف تركيا نظرها عن محاولة الانضمام إلى الاتحاد، إلا دليل على التخلي التدريجي لدول الغرب عن فكرة التجارة الحرة والحرية الاقتصادية المطلقة التي جلبت ويلات على دولها، وعلى استقرارها السياسي والاقتصادي.
فالدارس لأفكار الليبراليين الاقتصاديين يستنتج أنهم يقصرون دور الدولة في حفظ الأمن والدفاع والقضاء وفقط. وكأن لسان حالهم وحال رجال أعمالهم يقول للدولة: ” لا تتدخلي في أعمالنا أبدا….فنحن أحرار نفعل ما نريد وكيفما نريد وبأي طريقة نريد…….فقط وفري لنا الأمن وأحمي مصالحنا…..وليذهب الباقون إلى الجحيم…”.
فالدولة مهمتها في نظرهم تسهيل انسياب سلعهم ورؤوس أموالهم بكل سهولة ويسر، وحصولهم على امتيازات ضريبية وإعفاءات جمركية، وإعفاء مشاريعهم من المتابعات القانونية اتجاه حقوق العمال والضمان الاجتماعي والصحة المهنية والبيئة وغيرها.
هم يريدون “جنات ضريبية ” (Paradis fiscaux) في كل مكان بعدما سيطروا ونهبوا وأخفوا أموالهم في جزر الباهاماس والكايمان قبرص وبنما وغيرها. هم يريدون الدول ألعوبة في أيديهم، فلا سيادة تقف أمامهم. ولا قوانين تقيدهم ولا معايير بيئية وقانونية ومهنية تضبط أعمالهم.
وقد نشاطر رأي زميلنا الدكتور مازن دارون في أن بعض من يسميهم “رواد الأعمال “، يبدعون ليستفيد الزبون، كما أنهم طموحين وليسوا جشعين كما يتهمهم البعض…….. ولكن أقول ليس كلهم، فرجل الأعمال عندما يبني منازل ويحترم مقاييس البناء ومعايير السلامة والأمن، ويبيعها أو يكتريها بأثمان السوق دون احتكار أو تضييق على المستهلكين، فهو كما قال شريف ومبدع. عندما ينتج منتجات تكسي الناس من عري وتؤمنهم من الجوع فهو كما يصفه، وعندما يؤسس أعمالا يحترم فيها الكرامة البشرية والبيئة وحقوق المحيطين به فهو كذلك. أما حينما يلهي الناس ويأكل أموالهم بالباطل في الملاهي والمخامر وكازينوهات القمار وألعاب البوكر، ويتاجر بالمومسات والفتيات الصغيرات فهو مفسد وليس رجل أعمال. حينما يستثمر في إنتاج الأفلام الإباحية وتجارة الجنس والألعاب الالكترونية العنيفة، وينشر الإعلام المفسد لعقول الشباب والرذيلة فهو وحش وليس رجل أعمال. حينما يستغل صاحب دار للأزياء والفاشن (Fashion) فتيات بريئات يُجلبون من روسيا والقوقاز وشرق أوروبا، يُجَّوَعون ويُستَغلون جنسيا وتُسحب منهم جوازات سفرهم بحجة تحويلهم إلى عارضات شهيرات ويُرمَون كالجيف عند إتمام مهامهم. فهذا رجل لا قلب له وليس رجل أعمال. نحن نحترم ونقدر رجال الأعمال الشرفاء وليس الوحوش الكاسرة الذين يُسمونهم روادا للأعمال.

مقالات ذات صلة

إغلاق