أقلام الجزائر 24

من يدفع لإستقالة أبوجرة سلطاني؟!

ترددت كثيرا أقبل أن أكتب عن ما حصل للشيخ أبي جرة سلطاني، لكن نظرا للجدل القائم حول إستقالته من عدمها، وما حدث له من سبّ وإتهامات بالباطل من بعض المغرورين والمغرّر بهم، إرتأيت أن أكتب هذه الكلمات.
كنت قد كتبت عن الشيخ قبل حوالي ثلاثة عشرة سنة مقالا متسرعا وظالما، أستحي الآن حتى العودة إليه لقراءته، لا يمكنني أن أذكر عنوانه، مقال كتبته بعد تراكمات من القيل والقال كانت تصلني كان أكثرها كذبا وبهتانا عليه، لكن السبب المباشرة لكتابة ذلك المقال كان لصورة ظهر فيها الشيخ بلباس أنيق على غير العادة، ونضارات شمسية أصبح يشبه بتلك الطلّة الجديدة أحد قيادات المافيا الإيطالية أو هكذا خَيل لي، منظر لم أستصغه في ذلك الوقت بحكم صورة الشيخ الخطي التي علقت لمخيلتي، رغم حبي للأناقة وللباس الجميل!!.
أما ما غير نظرتي له، وتأكدي بأني كنت مخطأ في حق الرجل، فهو بسبب لقاء غير طويل في باريس قبل حوالي أربع سنوات. سمعت بأذني ورأيت بعيني بأن الرجل كان ضحية أشخاص أرادوا تشويه صورته، بسبب صراعات على القيادة، فقذف الرجل في أهله، وأتهم بالباطل في قضايا كثيرة له فيها ما يقول بالدليل والبرهان.
تاريخ الشيخ حافل بالنضال والعمل والجد والنشاط، من عرفه في قسنطينة عندما كان خطيب مسجد الفتح بسيدي مبروك يعلم ذلك جيدا، والذي سافر معه يكون قد رأى قلة نومه وحبه للقراءة والمطالعة، وقدرته الفائقة على الكتابة، رجل ذكي مقنع في تحاليله، رزين، شامخ، عصامي له قدرة عجيبة على النشاط والحركة، مقدام لا يرفض أبدا عملا خيريا للصالح العام سواء لوطنه أو لأمته.
الذين يتطاولون على الشيخ اليوم، يبدو أنهم نسوا بأن الرجل بسبب هذه الدعوة والرغبة في التغيير والإصرار على الإصلاح كادت رصاصة غادرة أن تؤدي بحياته لولا لطف الله.
من يتهمونه بحب السلطة وإيثار مصلحته على مصلحة الحزب لا يعلمون بأنه يوم كان في المستشفى بعد حادثة الإعتداء عليه، سجلت معه المحطة الجهوية التلفزيونية بقسنطينة حوارا، ومن بين الأسئلة التي سئل: هل سيسامح من إعتدى عليه لو يعتذر له، فكان جوابه بنعم، وبسبب هذه القناعة الربانية وهذا الخلق النبوي لم يمر ذلك الحوار على الشاشة رغم الإعلان عليه. كان كل هذا قبل بداية الأزمة وقبل الحديث بسنوات عديدة عن الصلح والمصالحة، قبل أن ينادي بها من جعلوها بعد ذلك تجارة وهروبا إلى الأمام!!.
من يرددون بأنه يحب المنصب تناسوا بأنه ذات يوم قدم إستقالته لرئيس الجمهورية حفاظا على الحزب، لكن إخوانه لم يصبروا معه غدروا به وبالحركة، حتى نالها من الضعف والإنشقاق ما نالها.
لابد وأن شباب اليوم وإخوة الأمس في النضال قد نسوا بأن الرجل كتب كتابا سبب له مشاكل عديدة، “بروتوكولات خبثاء صهيون”، ومن يريد أن يعرف الكثير ليسأل ماذا قال له الشيخ النحناح عن هذا الكتاب.
أشياء كثيرة ومتعددة يصعب حصرها حتى نبين قيمة الرجل، وأن أكثر ما قيل عليه وأشيع عنه هو كذب عليه، وظلم له، أما ما صدر من رفاق النضال ما هو إلاّ من قبيل الغيرة والعصبية والجهوية المقيتة.
لو أراد الشيخ أن يشتغل مثلما يشتغل البعض لأسس لنفسه أذرعا تدافع عنه عند الحاجة، و”أذيلا” تتبعه حيث ذهب، لكنه فضل أن يؤسس أفكارا، وأن يؤلف كتبا لتستفيد وتتعلم منها الأجيال، ويكفيه فخرا أنه فسر كتاب الله، وياله من فخر.
لست مدافعا عن الشيخ، ولا مقدسا له، فكلنا نخطىء ونصيب، لكن لا أحب من يتحدث في أعراض الناس، ولا أطيق من أجل لحظة نصر مشلولة عابرة يقلل من قيمة الناس، كما لا أحتمل إنسانا سليم العقل يرهف بما لا يعرف يردد مثل طير الببغاء ما يقال هنا وهناك دون تبين، خاصة إذا إدعى أنه إبن الدعوة أو مناضل في حزب بنيت سياساته على الأخلاق الإسلامية والعهد والرجولة.
أعلم جيدا بأن الشيخ في هذه المرحلة من تاريخ حمس يمثل الحلقة الأضعف، وأن أفكاره ورؤاه في التغيير يصعب تقبلها، لأسباب عديدة لا يمكن حصرها في هذا المقال، لكن وجوب الصبر مطلوب، وفهم ما يحدث واجب، لأن التاريخ لا يرحم، والخروج من الباب الضيق لا يليق بجهده وعطائه ونضالاته. وليعلم الشيخ جيدا بأن هناك من يعمل -من داخل الحركة ومن خارجها- جاهدا على تحقيق هذه النتيجة، يدفع لها دفعا حتى تخلوا لهم الساحة، حتى يستولي عليها جملة وتفصيلا من هم في الداخل وحتى يركبها كدابة ليصلوا بها لمبتغاهم من هم من خارجها.
أكتفي بهذا القدر، لأعود بمقال في وقت لاحق بحول الله أتحدث فيه عن أفضل الخيارات لينتهجها الشيخ إن أراد أن يكون أمة، أكبر من الحزب وأكبر من المراهقة والمراهقين السياسيين.

مقالات ذات صلة

إغلاق