أقلام الجزائر 24

فيما أخطأ ناصر جابي لمّا غادر الجامعة

لقيت رسالة استقالة البروفسور في علم الاجتماع ناصر جابي من الجامعة التي نشرها في صفحته الفيسبوكية انتشارا واسعا وتجاوبا من قبل المثقفين الذين اعادوا نشر رسالته على نطاق واسع. رسمت رسالة الاستقالة صورة قاتمة عن الجامعة وعن مستقبل البلد . واتسمت بروح سوداوية و تشاؤمية وهو مايفسر انتشارها الكبيرلانها عكست انطباعات شخصية لدى المثقفين أكثر مما عكست حقائق موضوعية عن الجامعة وعن البلد.
من جهتي كسوسيولوجي في منتصف مساره المهني سأعلق على رسالة ناصر جابي لأبين ان مسحتها المتشائمة والسوداوية هي مجرد انطباعات واستنتاجات شخصية تستند الى خطـأ معرفي هو تجاهل حقيقة توصل اليها الاقتصاديون وهي ضرورة الاختيار بين الرغبات (Trade off) أي ان على ناصر جابي أن يختار بين الرغبة في الجامعة الديمقراطية وبين رغبته الشخصية في الجامعة النخبوية ،بين التعليم المجاني والتعليم ذي الجودة. مشكلة ناصر جابي انه يريد الاثنين معا جامعة عمومية مجانية و في نفس الوقت جامعة ذات جودة وهذا غير ممكن .
يقدم ناصر جابي مجموعة من المؤشرات التي تدل على الجودة المنخفضة لمخرجات للتعليم العالي وهذا يتفق فيه الجميع لكنه يقدم تفسير سياسيا لانخفاض تلك الجودة حيث انه يتهم النظام السياسي انه المسؤول عن الرداءة الجامعية وانه لايريد التغيير والإصلاح. والسبب في رأيه ان تكلفة اصلاح التعليم مرتفعة سياسيا بالنسبة للنظام.
أولا من المنطقى اذا كانت التكلفة مرتفعة جدا للإصلاح الجامعي فالنظام السياسي لايقوم به لان المنطق يقول ان الانسان دائما يقوم بالافعال التي تفوق منافعها تكاليفها. فكيف نطلب من النظام ان يقوم بإصلاح تفوق تكاليفه المنافع المترتبة عنه.
ثانيا، يصف أ. جابي تكلفة الإصلاح انها تكلفة سياسية ، السؤال هنا مامعنى تكلفة سياسية؟ بماذا سيضحي النظام السياسي اذا ادخل اصلاحا تعليما ؟ ماذا سيكلفه سياسيا؟ هل سيفقد الشرعية والشعبية مثلا؟ ماذا لو نجح الإصلاح الجامعي وكانت نتائجه جيدة للجميع ،هل سيخرج الطلاب والمدرسون مطالبين بإسقاط النظام؟
كل الاستياء الذي عبر عنه الأستاذ جابي يتلخص في عبارة واحدة هي انخفاض جودة التعليم. والاقتصاد يعلمنا ان لكل خدمة تكلفة، ولجودة الخدمة تكلفة ولجودة التعليم تكلفة. لكن هناك حقيقة خطيرة جدا يعلمنا إياه الاقتصاد وهي انه لايمكن تلبية كل الرغبات في نفس الوقت. ولهذا ينبغي التضحية ببعض الر غبات من اجل الحصول على رغبات أخرى. ونحن يوميا لما نشتري أي سلعة فإننا نضحي برغبتنا في امتلاك النقود من اجل رغبتنا في شراء السلعة لكن لايمكن تحقيق الرغبتين في نفس الوقت الاحتفاظ بنقودنا والحصول على السلعة هذا غير ممكن في التبادل التجاري. لذا ينبغي اللجوء الى مبدأ الاختيار.
ومبدأ الاختيار الاقتصادي هو الذي نحتاج لفهم لماذا نحن غير راضيين عن جودة الوضع الجامعي رغم كل الاستثمارات الحكومية الضخمة في القطاع . الاستثمارات الحكومية كان هدفها توفير التعليم المجاني لجميع الحاصلين على الباكالوريا،و هدا الخيار يتطلب التضحية بالتعليم ذي الجودة. لايمكن توفير التعليم المجاني وذي الجودة في نفس الوقت.اما تعليم مجاني للجميع أو تعليم ذي جودة للنخبة.انها مسألة موارد ( نقود نمتلكها) ويجب ان نختار أين نصرفها اما في ديمقراطية التعليم أو في نخبوية التعليم.
النظام السياسي الجزائري مازال متمسكا بالتعليم الديمقراطي المجاني للجميع وحتى مازال مقاوما لفتح التعليم العالي للقطاع الخاص وهذا اختيار سياسي له تكلفته التعليمية وهي التضحية بالجودة و فائدته السياسية أكبر من تكلفته السياسية حيث يجلب التأييد السياسي للنظام من قبل المستفيدين من الخدمات المجانية .
أستاذي ناصر جابي المشكل ليس ان النظام السياسي لايريد الإصلاح الجامعي كما تقول بل بالعكس المشكلة هي انه يريد الإصلاح وبإخلاص ظنا منه ان الفوائد المجتمعية اكبر من التكاليف المالية في قطاع التعليم. ان انخفاض جودة التعليم التي وصفتها في رسالتك ليست نتيجة عدم رغبة النظام في اصلاح الجامعة بل هي نتيجة للجهود النظام في النهوض بقطاع التعليم، حيث اختار النظام ان يوفر التعليم للجميع وبالمجان و كان لهذا الاختيار السياسي تكلفة هي التضحية بجودة التعليم العالي. ما من خيار ثالث امام النظام حيث لا يمكنه أن يوف للجميع تعليما مجانيا وفي نفس الوقت تعليما ذا جودة.
أخيرا الان بقي ان نعطي الاختيار للجزائريين في ميدان التعليم العالي ونفتح للقطاع الخاص المجال وتكون الخيار في يدهم قد يختار البعض الجامعة الحكومية المجانية ويضحي بالجودة وقد يختار اخرون الجامعة الخاصة فيضحون بالمجانية من اجل الحصول على الجودة. فلنترك الجزائريين يختارون فهذه هي الحياة حرية واختيار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى