أقلام الجزائر 24

الجامعة الجزائرية، هل هي حقيقة أم وهم ؟؟

رغم أن كتابة هذه الاسطر تأتي على أعقاب جريمة الاغتيال الوحشي التي راح ضحيتها الأستاذ الجامعي قروي بشير عليه رحمة الله، والتي هزت الرأي العام ووقعت كالصاعقة على كل أطراف الاسرة الجامعية، فإن الربط بين هذه الجريمة والتقهقر الجامعي لا ينبغي أن يسبق النتائج النهائية للتحقيق الامني الذي أخذ مجراه منذ البارحة فقط. فبما أن مقترفي هذه الجريمة ليسوا من طلبة الفقيد فإن فرضيات أخرى لتفسير دوافع الجريمة وسياقها ودلالاتها تبقى بحاجة للفحص، وذلك حتى لا نقع في مغالطة الشجرة التي تغطي الغابة، خاصة وأن كل مشكلة غير مطروحة بصفة صائبة هي مشكلة قد ضيّعت طريقها إلى الحل.
فالأكيد أن العنف والاجرام ظواهر اجتماعية وليست جامعية، وما الجامعة الجزائرية المنكوبة بكل معاني الكلمة سوى مرآة تعكس حالة مجتمع يعاني منذ زمن من تراكمات مرضية وهو بالإضافة لذلك يعالج لدى مشعوذين لا تزيده وصفاتهم المبنية على الدجل والجهل إلا سوءا وتعقيدا إضافيا، لا يعجل امتثاله للشفاء فحسب بل يضعه في خانة المستحيلات أيضا حينما يحول مرضه البسيط إلى مرض مركب.
لكن ما ينبغي الاعتراف به هو أن كل التعليقات التي طفحت بها مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي، تجاوبا مع المصاب الجلل، فيما يخص الحضيض المعرفي والاخلاقي والاداري الذي آلت إليه المؤسسة الجامعية في بلادنا هي بمثابة حقائق مرة لا غبار عليها، وهي في تقديري برهان عفوي وقوي على صدق كل الإنذارات التي لطالما أطلقها علماء الاجتماع فيما يخص الوضع الكارثي الذي لا يبشر بالخير بالنسبة لمستقبل الجامعة الجزائرية، فهي تعليقات وشهادات حية من مختلف جامعات الوطن ومن مختلف الاطراف الفاعلين في هذه المؤسسة، من اساتذة وطلبة وإداريين .. وأنا أتذكر جيدا حينما كان العلامة عبد الغني مغربي وهو أكبر عالم اجتماع في الجزائر، ومتخصص في علم الاجتماع الثقافي التربوي، وقد شارف اليوم على نصف قرن من التكوين في الجامعة، أتذكر حينما كان يقول بمرارة: “الجامعة الجزائرية أصبحت روضة للمراهقين”، وأن بعض الجامعات التي تأسست حديثا حين ذاك هي بمثابة “وكر للجهل” .. واليوم يبدو أن الجامعة الجزائرية تجاوزت بمراحل حالة (الروضة) لتتحول إلى وكر للانحراف والجريمة، بما في ذلك العنف والشذوذ والادمان والسرقة العلمية.
فما هو عدد الاساتذة الذين ينغي أن تزهق أرواحهم أو تداس كرامتهم حتى تتحرك ضمائر وعقول الجهات المعنية لوضع حد فعلي ، وليس خطابي، وحلول جذرية، لا سطحية، وإصلاح جذري، لا ترقيعي، لماسات مصنع العلماء والمعرفة العلمية؟؟.
هل قدّر علينا أن في الجزائر أن نرافق الازمة بدل أن نمسك لجامها ؟؟ ، هل هو محكوم علينا أن نعاني التخلف ثم نعايشه ثم نتعايش معه ثم نتكيف معه ثم نتقبله ثم نبرره ثم نسوقه ونعيد انتاجه باستمرار ؟؟ .. فالأكيد أن هذا الجريمة الشنعاء ستمر علينا كأي حدث معزول وفق عقلنا الذري، وبعد أن تسيل الحبر وتدغدغ المشاعر المؤقتة فإنها ستلحق بما سبقها من وقائع وتطوى صفحتها كأن شيئا لم يحدث، ثم تعود المياه العفنة على مجراها النتن مرة أخرى مؤذنة بفصل جديد قاتم من وقائع أخرى قد تكون، بل أكيد، أكثر بشاعة.
الامل والتفاؤل أمر جميل جدا وضروري حتى في أحلك الظروف، لكن ماذا نفعل بالمؤشرات الواقعية، وماذا نفعل بمنحى تطور هذه المؤشرات ؟؟.. هل نحذو حذو النعامة وهي تغمس رأسها في الرمال حية توهم نفسها بزوال الخطر؟ .. الاكيد أن تجنب طرح المشكلات وبالتالي عدم مواجهتها لا يوقف سيرورة نموها وتفاقمها وتعقيدها، بل يعزز ذلك وبالتالي يسرع مفعولها التدميري. ..
ويبقى السؤال الذي يلح على ضمير الكاتب: هل من حياة لمن ننادي ؟؟ هل في غرفة التحكم رجل رشيد ؟؟ هل توجد حقيقة إرادة سياسية لإصلاح الجامعة الجزائرية؟؟ ماذا لو كان الجواب بالنفي ؟؟ .. وصدقوني فأن هذا الاحتمال هو المرجح لدي وفق كل المبررات الموضوعية.
وإلا فكيف يمكن أن نفسر المنحى السلبي المطّرد لمؤشرات المتغيرات والابعاد الاساسية لوضعية التعليم العالي في الجزائر، فإذا أخذنا على سبيل المثال لا الحصر، الانضباط والاحترام والهندام ونوعية الانتاج العلمي والمطالعة والحضور والمشاركة والتطوع والتمكن اللغوي والامانة العلمية والوعي السياسي والهيبة والاعتزاز بالانتماء والاداء البيداغوجي .. إلخ فإننا نجدها في تراجع وتدهور مستمر، سواء تعلق الامر بالأساتذة أو الطلبة أو الإدارة. وصدق الراحل (محفوظ بنون) جينما كتب يلخص أزمة الجامعة الجزائرية منذ قرابة عشرين سنة قائلا: الطلبة يتظاهرون بأنهم يدرسون، الاساتذة يتظاهرون بأنهم يدرّسون والاداريون يتظاهرون بأنهم يسيرون.
إلى حين نعيد تأسيس جامعة بالمعنى النبيل للكلمة فإن كل ما ترونه هو وهم وسراب أكثر منه حقيقة…. هي هياكل بلا جامعات .. والجبة، كما تعلمون، لا تصنع الراهب.

أيت عيسي حسين ، أستاذ جامعي

مقالات ذات صلة

إغلاق