أقلام الجزائر 24

عاجل ..عود ثقاب مشتعل

عندما تبتعد عن المجال العام ، ترى الصورة بوضوح ، عندما تفارق الأهل تعرف قيمتهم عندك وتلمس قيمتك عندهم ، عندما تشتد عليك المحن تعرف القريب منك وتبدأ في اختزال الأسماء التي لا ترد ولا تتجاوب ولو بطلب دنانير معدودات اسمها لدى الجميع  ” وسخ الدنيا ” ، عندما تتعرض لوعكة صحية تعرف معنى أنك كنت تلهث وراء ” سراب الأخبار والسبق الصحفي وتحضير موضوع قنبلة ليتصدر الصفحة الأولى ” ، هي كلمات اختزلها في بعض الجمل التي نطقت بها الإعلامية الجزائرية خديجة عيادي رحمها الله ، ” لقد نسيت مع زخم الأخبار اليومية أن أهم شيء هو الصحة ، أليست الصحة عدوة مولاها ” ، ربما الكثيرون لا يعرفونها ، طبعا فهي من الجيل الذهبي في الصحافة المكتوبة في تسعينيات القرن الماضي ، رغم اختلاف الرؤية والرؤى والمنهج وبعض المبادئ  ، فالأهم أن نأخذ العبرة .

انطفأت شمعت خديجة رحمها الله قبل سنوات بعد صراع مع المرض ، نخر جسدها في فترة وجيزة  ، عافرته بالصبر وبالقبول ، لكنها كانت ” تطوع القلم ” طبعا هي لم تكتب ولا مرة بالكمبيوتر مثلما نفعل اليوم ، كتبت في أوراق ” البيفتاك ” التي يحن لها الكثيرون ، رغم أن الكمبيوتر هو المتسابق الجيد للحاق بقطار المعلومات المتسرب عبر قنوات عديدة ، قصة الصحفية كانت مثيرة جدا ، في جانبها الإعلامي والإنساني ، كانت تنظر لنفسها بأنها ستبقى حية مادامت خلدت أسمها في صفحات الجرائد ، ونالت جوائز دولية ، وطبعا تخللت سنوات عطاءها ، قيامها بتأطير عشرات الصحافيين وبخاصة في يومية ” العالم السياسي” ، وآخرها في صحيفة ” الخبر الأسبوعي ”  كانت تنظر لمرضها وهي قابعة بمستشفى مصطفى باشا الجامعي بالجزائر العاصمة، أنها نهاية محتومة ، فالألم اشتد عليها في فترة وجيزة ، كانت تتعامل معه ببساطة وتحاول أن تعالجه بأدوية تخفيف الآلام فقط ، ” مرض لا يهزم سوى بالإرادة ” لكن الوجع تغلب على جسدها الضعيف ، كأي إنسان قالت : ” نعم تغلب علي المرض رغم أني أطمع في الحياة ” كما ذكرت عبارة لا أنساها بأن  :” الصحافة جعلتها تهمل حتى أن تسرح شعرها ، أو تلتفت لمأكلها الصحي ، الصحافة مغناطيس تنسيك حتى مواعيد الإفطار والغذاء والعشاء ، وتفقدك توازن الذهاب للنوم بمجرد الشعور بالأرق  ، فكيف تأتي بمناعة تقاوم الألم والحمى “.

قصتها اليوم تتكرر مع جيل الإعلاميين ، الذين يتوقون لالتهام الأخبار ما بين ” العاجل والهام أو الأصح ” المهم ” ” دون مراعاة نقاط أساسية في أبجديات الإعلام ، التحري ثم ما يسمى ب” أنسنة الإعلام ” مراعاة شعور أسرة ( الوالد والوالدة خصوصا ) لطفل اختفى ليتم العثور عليه مقتولا ، جيل صار يعبث بالمشاعر دونما التريث ولو لدقائق ، ويطرح السؤال الآتي : ” ماذا لو كنت مكان هذا الأب وهذه الأم ؟ ” ، ” أليس نشر خبر يمكن تعطيل التحقيقات في القبض على المجرمين ، في حال ما أتضح أنه قتل ؟” ، أعرف أن الجميع سيقول هو الإعلام ، هو السبق هي نقل الحقيقة ، هي توعية الأسر والمجتمع من مخاطر الاختطاف ، قد نبرر أفعال الإعلام غير المبررة ، بحل واحد وهو الاجتهاد في الاستنجاد بأهل الاختصاص في هكذا قضايا ، نجتهد أكثر لدقائق وحتى ليوم كامل ، في أخذ النصيحة من خبراء في شتى التخصصات المتعلقة بموضوعات شائكة مثل ” الاختطاف والقتل والاغتصاب ” وكمثال على ذلك ، تحضرني قضية والدة أنيس الذي عثر عليه مقتولا عشية عيد الأضحى الماضي بولاية ميلة ، أرعبتها ” العواجل ، وأرعبتها الكاميرا ، وهي تتلقف خبر كاذب يقول أن ابنها حي ، تقطعت كبدتها وهي ترى بأن :” عاجل : العثور على جثة طفل يشتبه في أنها لأنيس بمنطقة العلمى ” أليس هذا بتلاعب  لمشاعر أم وعائلة كاملة ،  وتلاعب بروح مهنة الإنسان ؟ ، هنا أتوقف لأقول أن خديجة عيادي قالتها ذات مرة :” إن لم تجد معلومة تجتهد في توثيقها ونحتها بالإجابة على أسئلة الإعلام الخمسة ، فأنت تختار أن تجد معلومة للإثارة ” ، نعم كأن الإعلاميون في الجزائر يرمون جهودهم في محرقة ..

مقالات ذات صلة

إغلاق