أقلام الجزائر 24

القاعدة الاستثمارية 49/51 ونزعة السيادة الوطنية

في جويلية 2008 وأمام رؤساء بلديات الجزائر، أطلق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة العنان لغضبه مرددا ومستغربا: “…..كيف لمستثمر أتى للجزائر باستثمار لا يتجاوز الـ 700 مليون دولار، وفي غضون 3 سنوات حصل على 2 مليار دولار كأرباح صافية في حين لم تحصل الجزائر على أي شيء ؟…..”.

على هذا الأساس وبإيعاز من الرئيس، فرضت الحكومة الجزائرية  تدابير تخص استثمار الأجانب في الجزائر، وذلك باعتماد قانون المالية التكميلي لسنة 2009 الذي كانت إحدى مواده تنص على القاعدة الشهيرة 49/51 التي تعني ضرورة امتلاك الشريك الجزائري عمومي كان أو خاص، على نسبة 51 بالمائة من أصول الاستثمار المراد إقامته في الجزائر من طرف الأجانب.  و ضرورة التزام الشركات الأجنبية التي تريد الاستثمار في الجزائر بإقامة شراكة مع مستثمرين محليين. كما يمنح الدولة الحق في السيطرة مجددا على الأصول العمومية المتنازل عنها في سياق برامج الخوصصة سابقا، في حال عدم الالتزام بشروط العملية وحق الشفعة لكل الأصول التي يريد مستثمرون أجانب التخلص منها أو بيعها في الخارج.

واليوم وبعد التصريحات الصادرة عن الوزير الأول الجديد بتأكيده على الحفاظ على هذه القاعدة وعدم التفريط فيها. بعدما أظهرت استطلاعات ومقالات سابقة تفكير الحكومة في التخلي عنها، كما صرح بذلك الوزير السابق للصناعة والمناجم في وقت سابق من سنة 2014، وتأكيده على وقف العمل بها  مع آفاق سنة 2020. فان هناك جدلا قد تأجج من جديد خاصة بين الاقتصاديين ورجال الأعمال المحليين والأجانب على حد سواء.

وتحاجج الحكومة بأن هذه القاعدة فرضت كنوع من أنواع المحافظة على السيادة الوطنية وحماية الاقتصاد الوطني، التي تهدف بالأساس إلى حماية الإنتاج الوطني، وحماية الشركات الوطنية العمومية منها والخاصة.

كما أيد بعض الخبراء والاقتصاديين[1] ورجال الأعمال المحليين[2] وحتى بعض الأجانب[3]  هذا التوجه، متحججين بأن هذه القاعدة حق سيادي وقانوني يحق لأي دولة فرضه وممارسة سيادتها الاقتصادية في إطارها الجغرافي، كما طالب البعض بضرورة تطبيق هذه القاعدة فقط على القطاعات الإستراتيجية وفتح المجال في القطاعات الأخرى للمنافسة الكاملة.

وفي الجهة الأخرى طالبت أطراف بشكل رسمي وغير رسمي بإلغائها تماما وعلى رأسها المنظمة العالمية للتجارة التي تتعثر المفاوضات معها في كل مرة بأسباب عدة ومنها سبب فرض هذه القاعدة. كما أن الاتحاد الأوروبي الذي طالب في وقت سابق بإعطاء حوافز أكثر للمستثمرين الأجانب، ومنها وقف العمل بالقاعدة 49/51 بغضون سنة 2020. وكذلك الحال بالنسبة للحكومة الأمريكية والألمانية التي انتقدت الإجراء في وقت سابق. إضافة إلى بعض زملاءنا الاقتصاديين الذين بينوا في منشوراتهم أن هذه القاعدة تتسبب في تعطيل والحد من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وعبروا عن خيبة أملهم في القرار الجديد للحكومة بمواصلة العمل بالقاعدة.

بين هذا الرأي وذاك، نقول ابتداء أن أي دولة ذات سيادة لها كامل الحرية في إصدار قوانين وإجراءات اقتصادية، تحمي بها اقتصادها ومؤسساتها ومنتوجها المحلي، خاصة وان الجزائر ليست عضوا في منظمة التجارة العالمية لحد الآن، كما أن المنظمة في حد ذاتها تعطي هامشا حمائيا لفائدة منتسبيها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان الكثير من الدول التي تهاجم إجراءات الحكومة الجزائرية، وتدعي زورا وبهتانا بأنها حامية حرية التجارة، سرعان ما تلجأ إلى الإجراءات التقييدية لحرية التجارة والاستثمار بمجرد أن تشعر بان ذلك يمس مصالحها وأمنها القوميين. والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها قضية حكومة الولايات المتحدة مع شركة موانئ دبي، وقضية صادرات الفولاذ بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وقضية واردات اللحوم والمنتجات المعدلة وراثيا وغيرها……

لذلك ألا يحق لنا فعل ما يحق لغيرنا؟ أم نحن تابعون فقط، وعلينا تطبيق ما يأمرون به؟. ثم إن الملاحظ أن الفرنسيين مثلا، لم ينتقدوا كثيرا القاعدة 49/51، وذلك لأنها حسب بعض الآراء تصب في مصلحتهم بحكم سيطرتهم النسبية على السوق الجزائري في قطاعات كثيرة، واستحواذهم في وقت مضى على العديد من المؤسسات والشركات العمومية المخوصصة. وبذلك سوف تكون لهذه القاعدة فضلا كبيرا في تحصينهم من منافسة الآسيويين والأمريكيين وغيرهم. وهنا يظهر الكيد والتغول الغربي في الترحيب والتهليل بكل ما يخدم مصالحهم حتى ولو كان ذلك ضد ما يتغنون به من حرية التجارة والاستثمار، والديمقراطية والشفافية في عقد الصفقات الدولية.

نحن لسنا ضد الحرية التجارية وحرية الاستثمار، فمعروف اقتصاديا أن هذين العاملين هما مهمين في التنمية الاقتصادية إذا أُحسن استغلالهما. لكن نحن ضد الاستغلال وضد الدوس على أوطاننا وعلى مصالحنا الاقتصادية بالدرجة الأولى وعلى سيادة بلداننا. فالأصل في العلاقات الاقتصادية الدولية أن تكون متوازنة الكل فيها رابح، شراكة اقتصادية حقيقية مبنية على المصالح المشتركة وليست شراكة وهمية القوي هو الفائز فيها دائما.

ومن ناحية أخرى لسنا مع تطبيق القاعدة 49/51 كليا بشكلها القديم، فيمكن أن تستثني الحكومة الاستثمارات المدرة للدخل والمنتجة للثروة الحقيقية، كقطاع الفلاحة والري والأشغال العمومية والسياحة والمنشآت الكبرى والنقل البري والصحة، والتي لا تؤثر على سيادة الدولة وأمنها القومي الاستراتيجي. وأن تحافظ على تطبيقها في قطاعات الطاقة والاتصالات والتعليم والموارد المائية (السدود) والطيران المدني والنقل البحري وتسيير الموانئ والمطارات والصناعات الغذائية والدوائية.

ورغم أني لست من دعاة الحمائية الكلية والاكتفاء الذاتي ولا مع الحرية التجارية المطلقة، فان القول المأثور ” لا خير في أمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع “ قد يكون صحيحا في أحيان كثيرة، حتى وان لم يكن حديثا نبويا صحيحا كما يدعي كثيرون.

[1]  منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور عبد الرحمان مبتول والخبير الاقتصادي  فرحات آيت علي.

[2]  ومنهم رجل الأعمال و رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الذي صرح لإحدى الصحف الجزائرية: “…. بأن قاعدة الاستثمار الأجنبي 51/49، في صالح المؤسسة الجزائرية اليوم، لأننا نجبر الآخرين على إقامة شراكة مع المؤسسات الجزائرية وبالتالي تكتسب الخبرة، وكذلك هي في مصلحة البلاد وتحقق الربح المشترك…”

[3]  وهذا ما كتبه أحد المقاولين الأجانب يدعى Laurent Stefanini صاحب شركة Fibr’Access Algérie التي تعمل في مجال الاتصالات بحيث قال: ” ……En tant qu’entrepreneur étranger et fort d’une expérience de 10 ans à la tête de multinationales étrangères, pour l’avoir appliqué lors de la création de Fibr’Access, je peux attester que la règle dite « 51/49 » n’est pas un frein à l’investissement. Au contraire même, sans considérer que cette règle soit la meilleure solution pour encourager l’investissement………….. Ainsi, fort de mon expérience en Algérie de plus de 10 ans, j’encourage vivement les entrepreneurs à accepter et se conformer à la règle 49/51 si leur ambition est d’investir durablement en Algérie où leurs intérêts seront preserves…”

ويمكن الاطلاع على المقال كاملا في الصفحة:

http://epartenariat.com/article-de-presse/281-un-chef-d-entreprise-francais-defend-la-regle-49-51.html

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق