أقلام الجزائر 24

الغفلة : تجربة ثمنها غالي

عندما يفرغ الخزان ، تبدأ الأصابع في عد الموجود من نقود في الجيب ، وعندما يفلس الشخص سيبحث ويفتش في عديد الأماكن من البيت لعله يجد دينار أو ورقة من فئة الألف دينار اختفت في زاوية ما ، شعور جميل جدا ، بل فرحة وابتسامة ، وكأنه وجد كنزا كان مخفيا ، لحظة عاشها الكثيرون من الصحافيين ولازال خصوصا ” الفحشوشين منهم ” ، هي كلمات على لسان أحد الإعلاميين من جيل الثمانينات وهو يعد ” الصرف ” في يده ، ليذهب إلى أقرب محل لبيع الساندويتشات بالقرب من دار الصحافة الطاهر جاووت في ساحة أول ماي بالعاصمة الجزائر، فهل تكفي النقود لأن يدفع ثمن ما سيأكل ويخرج منتصرا ؟.
حالة الصحافيين في الجزائر تشترك في هذه النقطة ، ومن يقول العكس فأظنه يعمل على مواربة واقعه أو حقيقته ، فكم من صحفي عاش أزمة مالية خانقة ، خصوصا بالنسبة للجرائد والمؤسسات التي يتعذر عليها دفع أجور عمالها في الوقت ( دون الدخول في تفاصيل الأسباب ) ، فحالة المهنة هي هكذا منذ سنوات طويلة ، رغم أنها تختلف اليوم بالنسبة للعشرات ، أين دخل ” عامل البريستيج ” حلبة اللعبة الإعلامية مع ظهور القنوات التلفزيونية الخاصة والتي تستدعي ” اللوك ” الجميل ، وتستدعي أيضا معها مواجهة الآخر من محيط ، يعتقد أنك تملك ” بنك ” يمكنك أن تسحب منه متى شئت وفي أي وقت شئت ، فلا أحد سيصدق إفلاسك .
الاعلامي ” الفحشوش ” هو من تعود على صرف ما في الجيب ، دون انتظار الغيب ، طبعا ، هو من يشتغل في كذا موقع حتى يتمكن من تجميع ” أجر محترم ” ، يمكنه من دفع فاتورة الكراء وإتمام نصف الدين وطبعا ” فحششة أهله وأقاربه وأصدقاءه ” حتى ولو أنه عجز عن ذلك ، لأنه ببساطة تعود على هكذا تمظهر ، أو هكذا عادة ، الإعلامي هو من لا يأبه لثواني الساعة ودقائقها أين تتجه نحو منتصف الليل أم منتصف النهار ،حين يفاجئه خبر عاجل أو مستعجل أو ملف لافت أو موضوع حادث ، أو احتجاج مواطنين لأجل سكنات ، أو استقالة مسئول أو إعادة تشكيل حكومة ، تستفزه الأخبار وتستنفره وكأنه جندي في ساحة معركة ، لا رابح فيها سوى ” طويل العمر ” كما يقال ، الإعلامي هو الذي لا ينتظر أبدأ أن توقعه حمى الزكام الحاد في الفراش ليتفطن أن بطاقة الضمان الاجتماعي ” الشفاء ” انتهت صلاحيتها ، فلا يمكنه حتى دفع مصاريف علاجه ، هو من يتحين الفرصة ليجد بين أجندة أرقام هاتفه أسماء من يمكنهم أن يسعفوه في أقرب مستشفى بالمجان ، أو من يقدم له خدمة الدفع في مكانه ، أو يضطر لاقتراض حتى ثمن سيارة أجرة تنقله إلى مصحة .
الإعلامي في الجزائر ، تجده يشتغل كل صباح مثل المنبه الذي ينتظر التوقيت المسجل للدق والصراخ والجري واللهث والبحث في كيفية الظفر بجائزة أنه نشر وبث الخبر أولا وقبل فلان وعلان ، في حين في المساء تجده يطرح سؤالا جوهريا :” هل دخلت الشهرية ؟ ” فالكثيرون يعتقدون أن الإعلام في الجزائر هو صك غفران لصحابه ( دون تعميم ) يدخله أينما شاء ،
فالكثيرون اختاروا مسار مراعاة تقلبات صاحبة الجلالة والوثوق في صورتها البهية ، ويتابعوها رغم أنها تغتال كل يوم سنوات عمرهم ، حتى يستيقظوا ذات يوم ليجدوا أنفسهم قد نزع منهم الضمان الاجتماعي بعد غلق الصحيفة التي اشتغلوا فيها ، فلا يمكن لهم أن يتقدموا خطوة لخوض تجربة جديدة ، ولا يمكن لهم أن يسارعوا للحاق بقطار الإعلام السريع بعد إفلاس أجسادهم بعد تقدم السن ، لتصبح فئة الألف دينار في الجيب أكبر النعم ومعجزة المعجزات ، لكنها في النهاية ستضيء له الصداقات والزمالات في زمن الشدة .
الكثيرون معك في ضوء الشمس ، عندما تظلم وتشتد الظروف يختفون ، مثل الظل ، يظهر نهارا ويختفي ليلا ” . لكن لكل تجربة ثمن والأفضل منها التي لا تباع ولا تشترى بثمن ، بل تحفر في رأسك الدروس ”

مقالات ذات صلة

إغلاق