أقلام الجزائر 24

مخاطر التمويل الداخلي غير التقليدي لما يطبق في الجزائر

حكومة أويحيى الان في أزمة مالية، ادخار الخزينة العمومية (صندوق ضبط الإيرادات) أنهار في فبراير 2017. و لجأت الخزينة الى قرض وطني  ومدفوعات من بنك الجزائر وقرض خارجي افريقي ، و لم يبق لها سوى 104 مليار دولار في جويلية 2017( لدى بنك الجزائر)  و مع هذا تقول الحكومة أن سنة 2018 تبدو اكثر تعقيدا. تخشى الحكومة من أن تصبح عاجزة عن ضمان الانفاق العمومي وهي تخشى اللجوء الى الاستدانة الخارجية خاصة.

وأخيرا   لحسن الحظ الجزائريين وجدت  الحكومة مخرجا يبدو سحريا لتمويل العجز في الميزانية و مواصلة الانفاق على البرامج المختلفة. لقد وجدت طريقة جديدة لتمويل الخزينة العمومية  وسمتها طريقة”  التمويلات الداخلية غير تقليدية” وتقول أنها ستلجأ اليها بصفة  استثنائية و انتقالية لمدة 5 سنوات  فقط. وتقول الحكومة أنها لم تخترع هذه الطريقة من عندها  فالحكومة الأمريكية سبقت وأن لجأت الى هذا النوع من التمويل لميزانيتها لموجهة ازمة 2008  التي مكنتها من تفادي انهيار الاقتصاد .

في هذ المقال سأوضح المخاطر الاقتصادية المحتملة التي قد تنجم في المستقبل  عن توسع الحكومات الجزائرية  في استخدام هذا النموذج التمويلي في الجزائر مما سينعكس سلبا على حياة الجزائريين.

 

التمويل الداخلي غير التقليدي في الولايات المتحدة:

الحكومة الامريكية تحصل على الأموال للانفاق على برامجها المختلفة الاجتماعية والعسكرية  من  خلال ثلاث مصادر: الضرائب ،و التمويل الداخلي والتضخم. عندما تفرض الحكومة ضرائب  ، تلزم الافراد والشركات بدفع أموال للحكومة وفقا لقوانين الضريبة. وعندما لا تكفي أموال الضرائب لتمويل الانفاق تلجأ  الى اقتراض المال من الافراد أو الشركات أو المؤسسات الحكومية الأخرى عن طريق اصدار أوراق لها قيمة نقدية( سندات الخزينة) تبيعها للمواطنين والشركات، وبعد مدة زمنية تكون الحكومة ملزمة بسداد هذه القروض بالإضافة الى الفائدة.  وهي حالة التمويل غير التقليدي حسب التعبير الجزائري والتي ستحدث بعد ذلك الدين الحكومي. وفي الاخير وقد تلجأ الحكومة لصك نقود جديدة لسد العجز لما لايكفي التمويل عن طريق التمويل الداخلي لسد النقص في الأموال.

 التمويل الداخلي غير التقليدي يخلق الدين الحكومي

كأي شركة خاصة ،تجمع الحكومة إيرادات تستخدمها في الانفاق ومثلما تمر الشركات الخاصة بفترات تزداد فيها   النفقات عن الإيرادات، تشهد الحكومة فترات مشابهة .فقد تود الحكومة ان تنفق على البرامج الاجتماعية للإسكان او الصحة أو التعليم  وغيرها نقودا أكثر مما تجمعه من الضرائب وعندما تنفق الحكومة أكثر مما تجمع من ضرائب، فإنها تواجه “عجز الميزانية” . يقيس عجز الميزانية الفرق بين النفقات والايرادات خلال فترة زمنية محددة. فعجز الميزانية في عام 2017 مثلا يبين الفرق بين إيرادات هذا العام ونفقاته. ولمواجهة العجز في الميزانية تلجأ الحكومة الى الاقتراض ويتشكل هكذا الدين الحكومي.

وفي الولايات المتحدة  بلغ اجمالي الدين الحكومي لما وصل ترامب للسلطة   20 تريليونات دولا( 20 ألف مليار دولار) وكان أوباما خلال عهدته احدث 9 تريليونات دولار( 9000 مليار دولار) كديون حكومية جديدة أي أن الرئيس أوباما ترك الولايات المتحدة وبها ديون داخلية إضافية تسبب فيها هو من خلال برامج الانفاق وصلت 9 تريليونات دولار

الخزينة الامريكية هي الذراع المالية للحكومة الفيدرالية، تجمع الخزينة الضرائب وتنفق النقود. وعندما  لاتكفي أموال الضرائب تلجأ الحكومة الفيدرالية الى اقتراض أموال من المقرضين من القطاع الخاص عن طريق بيعهم سندات خزانة( قروض سندية) وهي أوراق مقواة يحصل من يشتريها من الخزانة الامريكية على فوائد إضافة الى  القرض الاصلي بعد مدة محددة.

عندما تقترض الحكومة أموالا من المقرضين ببيعهم سندات حكومية  تكون ملزمة بدفع فائدة لهم . ومع زيادة عجز الموازنة تزداد أيضا  خدمة الديون على الحكومة . واذا انخفضت معدلات الفائدة ستكون الحكومة مرتاحة و اذا ارتفعت معدلات الفائدة ستكون الحكومة في وضعية صعبة . وفي الولايات المتحدة الناس دائما يعبرون عن سخطهم من ضخامة  مبلغ الدين الحكومي لان مدفوعات الفائدة تمثل أكبر أوجه الانفاق الحكومي التي لا تترك وراءها سوى القليل من المال لتمويل برامج الحكومة الأخرى.

وتلجأ الحكومة الامريكية الى البنك المركزي ليعدل أسعار الفائدة حتى تكون مدفوعات الفائدة منخفضة  في صالح الحكومة . وهي بهذه الطريقة تتصرف الحكومة بطريقة مثيرة مثل مستثمر يقترض من البنك و يمكنه أن يحصل على قرض بفوائد منخفضة نتيجة لعلاقات شخصية مع مدير البنك

خطر التضخم الناتج عن التمويل الداخلي غير التقليدي

قالت الحكومة الجزائرية انها ستلجأ للتمويل الجديد بصفة استثنائية ولمدة 5 سنوات لأنها تدرك مخاطر التضخم الذي ينتج من طبع نقود جديدة لسد العجز في الميزانية ولمواصلة الانفاق على الشعب حيث سترتفع الا سعار و تنخفض القدرة الشرائية للمواطن

و المستثمرون الوطنيون أو الاجانب الذين سيقرضون الحكومة الجزائرية في المستقبل من خلال شراء السندات الحكومية ( القروض السندية) سينتبهون لمسألة التضخم وارتفاع الاسعار  وسيصرون على أن تكون الفوائد عالية على تلك السندات لانهم يعرفون ان القدرة الشرائية للدينار ستنخفض تدريجيا.

عندما ترغب الحكومة   الجزائرية في المستقبل في انفاق مبالغ طائلة من المال لتمويل حرب  لاقدر الله  – لا يمكنها أن تجمع  من الضرائب الا مبلغا محدودا. بعدها يمكن  ان تجمع قدر أخرعن طريق الاقتراض .وعندها، ان كانت  لا تزال راغبة في انفاق مزيد من النقود، فإنها ستلجأ الى طبع نقود جديدة.

لنفترض ان الحكومة تريد انفاق 6 ملايير دولار في حين أن إيراداتها الضريبية هي   2 مليار دولار فقط. تستطيع الحكومة اقتراض 4 مليار دولار الباقية ببيع سندات الخزينة   .لكن قد يشعر المستثمرون بالقلق إزاء ضخامة المبلغ، وربما يطالبون بمعدل أعلى كثيرا من المعتاد .علاوة على ذلك، قد يعترض الجمهور على مثل هذا العجز الهائل ( كجزء من اجمالي الموازنة) ويصرون على أن تخفض الحكومة نفقاتها. وفي ظل هذا المأزق قد تقترض الحكومة 1 مليار دولار فقط ، ثم تلجأ الى سك نقود جديدة بقيمة 3 ملايير دولار كي تتمكن من تغطية نفقاتها. وهنا تستغل الحكومة وضعها بوصفها المحتكر الأوحد لمنظومة النقد لتطبع نقودا جديدة. وكل ما تحتاج اليه الحكومة  هو طباعة البنك المركزي  نقودا جديدة و اقراضها لوزارة المالية التي تنفقها فيما بعد على برامجها المختلفة

لكي نفهم جيدا سهولة وخطورة التمويل غير التقليدي فانه يجب أن نعرف  أن الحكومة عن طريق الخزينة تقترض من البنك المركزي بتسهيلات وترتيبات تقريبا بطريقة عائلية و كأن الحكومة شخص يقترض من العائلة حيث يكون هناك اتفاق عائلي على معدل الفائدة وتسهيلات  مثل ابن العائلة الذي تفوق نفقاته ما يحصل عليه من راتب  شهري فيلجأ لأبيه ليقرضه بمعدل متفق عليه مريح و دائما يستمر أبوه في اعطاءك هدايا في الاعياد  فعندها يستمر الابن في الانفاق بلا حساب وهكذا يتصرف الساسة في واشطن و ربما سيتصرفون في الجزائر العاصمة بنفس الطريقة في المستقبل

 من يدفع  تكلفة ديون الحكومة ؟

لما تقترض الحكومة مبالغ طائلة من خلال التمويل غير التقليدي للإنفاق على الجيل الحاضر فانه سيعيش بأكثر مما تسمح له موارده المالية لكن الأجيال في  المستقبل ستعاني لأنها ستعيش بموارد مالية قليلة نتيجة ارتفاع الضرائب لتسديد فوائد الديون الحكومية  .

كما أن هناك مخاطر أخرى تنجم عن لجوء الحكومة لما تلجأ الى الاقتراض من البنك المركزي  فإنها ستزاحم القطاع الخاص في الحصول على القروض  وتتسبب في ارتفاع نسب الفائدة على القروض الضرورية للمشاريع  التي يحتاجها المستثمرون و تنخفض نسب الفائدة على التوفير مما  يجعل المواطن لا يدخر أمواله في البنك. كما أن الدين الحكومي يتسبب في ارتفاع الضرائب بدلا من تخفيض النفقات. و من   أكبر مخاطر لجوء الحكومة للاقتراض من البنك المركزي أنه يفتح شهية الحكومة في زيادة الانفاق العمومي أكثر بكثير لو أن الاقتراض كان غير متوفر لها.

ماهو البديل عن التمويل غير التقليدي؟

و لتجنب كل المخاطر الناجمة في المستقبل عن التمويل غير التقليدي من زيادة الانفاق وارتفاع الضرائب والتضخم وارتفاع نسب الفوائد البنكية الموجه للمؤسسات وانخفاض الفوائد على الادخار ينبغي كبح جماح الحكومة عن الانفاق العمومي و ضرورة الزامها دستوريا بتحقيق توازن في الميزانية بين المداخيل والنفقات لان سد عجز الميزانية عن طريق الإقراض هو علاج أسوء من المرض.

اتمنى ان أكون مخطئا و ان تكون حكومتنا مصيبة وتلجأ لهذا الحل  “غير التقليدي” بصفة اضطرارية واستثنائية وتتوقف عنه في أقرب وقت.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق