أقلام الجزائر 24

رأس الخيط في الصحافة : تذوق الفشل

رأس الخيط يمكن إيجاده بالبحث، لكن أن نفك ترابطه يحتاج إلى صبر وطول نفس ، الفائز في النهاية من يملك نفسا ممتلئة : نرجس كرميش

أعظم هدايا الصحافة نادرا ما تكون مغلفة بالطريقة التي يتمناها الصحفي أو يتوقعها، السبب أن أغلب المتطلعين للاحتراف في هذه المهنة يرونها كالآتي:
مهنة النجومية أي نعم ، ظهور الاسم في الصحيفة يعني أنني ” صحفي ” والظهور في الشاشة يعني أنني ” نجمع لامع “، محاورتي لوزير يعني أنني وصلت”، تمكني من الحصول على خبر سكوب ” يعني أنني فوق العادة ، “صحفي يعني مقدم أخبار” وغيرها من الأفكار الخاطفة التي تعتبر توقعها الممتهن لهذه المهنة .
مظلمة المهنة ، تحوي قنابل موقوتة ، ” الإسم ” والنجومية محرقة جدا ، تختزل مراحل التعلم ، تحتاج لعقل يفكر يوميا ، يحسب جيدا ، ماذا تعلمت اليوم في هذه المهنة ، وكم من رقم مسؤول سجلته في أجندتي ، وكم من أناس ساعدتهم اليوم في تخطي أزمتهم ، وكم من نداء استجبت له ، هذا هو الرصيد ، قد يبدوا خاليا من النظريات التي تلقيناها في قاعات الدروس وقاعات المحاضرات في الجامعة ، ولكنها في النهاية تلقن لنا في مساحات شاسعة ، قد تكون في أماكن مغلقة وقد تكون في صالون شاي أو في مطعم أو عند جار من الجيران أو في انتظار دور لدى طبيب معالج أو في انتظار إقلاع طائرة أو في محطة من محطات المسافرين ، وقد تكون عبرة نتلقفها من أفواه طفل صغير ، وربما تكون حتى عبارة عن تعليق من مواطن بسيط في وسائل التواصل الاجتماعي .
التجربة هي النمو اليومي ، اللحظة بميزان ساعة والساعة بميزان اليوم واليوم بميزان الشهر والشهر بميزان السنة ، هذا ما تعلمه الصحافة في أسرارها اليومية ، قد نأخذ المعلومة من موظف بسيط ، وربما يكون حارس ليلي في مستشفى أو بواب المصلحة العمومية في مقر بلدية من البلديات ، وقد يكون تلميذ سئم متابعة الدروس لأن محفظته ثقيلة ، وقد يكون طفل يحتاج إلى رعاية دون أن ننتبه أنه يحمل كما هائلا من المعلومات البسيطة في نظره والتي تحولت مع مرور الزمن ملفات تدار في بلاطوهات القنوات .
من الكلمة تصنع العبرة ومن الصورة تصنع الأزمة أيضا وكم من أزمات ” اخترعتها ” أو ” صنعتها ” الصحافة ، ومن الأسئلة نصنع الأجوبة ومن الأجوبة تصنع حلول لأزمات عمرت طويلا ، فمن هو الجزائري الذي لم ينتظر اليوم الذي تعلن فيه نتائج مستبقة توظيف الأساتذة فإن لم تكن أنت ستكون أختك أو جارك أو ابنة العم أو أخت صديق أو صديق عبر محطات البحث عن وظيفة ، ومن هو الجزائري الذي لم ينتظر إعلان قوائم المستفيدين من سكنات تحسين السكن وتطويره ” عدل ” ومن هو الجزائري الذي لم ينتظر إعلان نتائج الباكالوريا على أحر من الجمر ، ومن هو الجزائري الذي لم يتابع قضايا الاختطاف من وراء الشاشات وبما خبرها عند جاره أو أبن مدينته ، إذا فالصحفي هنا ينمو عبر تجارب مختلفة متشعبة المجالات والقطاعات والاهتمامات ، وتفتح أمامه آفاق كثيرة تنمو معه بالتجربة .
الصحافة هي مثل رأس الخيط يمكن إيجاده بالبحث، لكن أن نفك ترابطه يحتاج إلى صبر وطول نفس، الفائز في النهاية من يملك نفسا ممتلئة، فكل خطأ صار تجربة ، وكل خطوة تعلمنا النمو ، لكنها صاحبة الجلالة لا تعترف بالنهايات ، فكل صحفي محترف يمكنه كتابة تجاربه ويعيد صناعة أبطاله بعمق .
.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق