أقلام الجزائر 24

رسائل العطب في الحياة

في نفس التوقيت قرأت رسالتين طالعتهما بروية ، الأولى للسيدة زهرة معروف ، هذه المرأة التي تناضل لأجل أن تصنع عوالمها وتميزها في بيتها وفي وظيفتها ، جاء في كلامها :” تخيلوا معي أنكم ستفارقون الحياة الآن ، ستتحول السنوات التي عشناها بدءا من يوم الولادة الى الآن مجرد جزء من اللحظة ، وتتحول أكوام المشاكل التي نحاول يوميا حلها إلى رماد ، وأطنان المخاوف والهواجس التي نربط بها قلوبنا يوميا حول مستقبل باهت إلى دخان يعلو بنفسه فوق طبقات الجو وهو وضيع ، وكل الأهل والأصدقاء والأحباب يصبحون أمامك مجرد أجساد لن يقبل أي منهم مهما كان حبه لكم أن يستلقي في قبركم بدلا منكم ” .
أما الرسالة الثانية فدونها على صفحته الفيسبوكية ومتاحة في وسائل التواصل الاجتماعي ، البروفيسور عبد الرزاق أمقران ، عالم الاجتماع بجامعة سطيف جاء فيها :” تخيل للحظة أن ما كنت تخشاه أن يحدث منذ أن ألفت السفر بالطائرة قد حدث: تعيش حالة طوارئ و أنت في السماء.

الحادثة ، أعادت لذهن البروفيسور شريط حياته ، و” في رمشه عين ” كما كتب ، أعاد عليه مسلسل مساره الحياتي عرض دون أن يطلب ذلك سابقا ، ويواصل قائلا ،: ” صور من عرفت و أحببت..وقائع..وضعيات و أقوال تسارع الكل هذا في سيل غير منته ” .
لقد أدرك الأستاذ أمقران أن معنى قرأه بحق العقل و قدراته الخارقة ، حيث ” اقتلع العطب التقني في السماء معيشك اليومي اقتلاعا من بيئة الأرض و الصقه بك هناك..هناك حيث يشعر بسخافتك و سخافة ما كنت تعيش..تفكر و تكتب.
نعم فجأة أصبح أمقران الإنسان المعلق في السماء ” بلا معنى و المعنى الأوحد الحاضر معك و أنت تشرب كأس الحاله الطارئة هو معنى الفناء و النهاية القريبة “.
لقد وصف البروفيسور حالته هذه بأنها ” عطب في الحياة ” وأنا أصفها بأنها اللاحياة ، زمن يتوقف ، لا تعرف ماذا تفعل ، تبحث عن حبة دواء تنومك ، أو تجتثك من الواقع وتسافر بك إلى كل الأماكن التي تحتفظ فيها بأجمل الذكريات ، وتنقلك نحو الأشخاص الذين تريد أن تراهم منذ مدة ، وتقول لهم أحبكم ، وأن تهرع لمكان ما دفنت فيه كل أحزانك وتقول له ” لاحزن بعد اليوم ” .

صدقا كلا الكلمتين ، جاءتا في نفس التوقيت وفي نفس اللحظة وكأنها موجهة لي ولكم أيضا ، اليوم فقط أدركت معنى أن تسمع أنين أم عاشت الموت لفترة من الزمن وعادت لتقتسم الحياة مع أبناءها بفضل ” الواحد الأحد ” تقول :” سأعيش يومي بقلب طفل ولن أحرق طاقتي ومجهودي في استدعاء الأحزان والوجع من زمن مضى ” .
أما الأستاذ أمقران فيقول : ” العطب الحياتي هو أن يبتلعنا المعيش الذي نعيشه من الداخل مصادرا منا قدرة التأمل فيه و تجاوز قوقعته القاهرة “.
كم من جزائري عاش هذا العطب في يوم من أيامه ، وكم مرة عاشت نساء الجزائر مثل هذا الشعور الذي يجعلها في حين غرة تنسى ماضيها وحاضرها وتلملم أجساد أبناءها بين حضنها علها اللحظات الأخيرة ، وترسل كلمات صامتة لأحباءها لجيرانها قائلة أن ” الحياة بلا معنى عندما نتشبث بالماضي الذي يسحبنا للأسفل ، الحياة بلا عنوان عندما ينادينا المستقبل لأيام لا ندر أين سنقضيها ، مثل ذلك الأسير بين جدران سجنه لايدري متى يأذن السجان بلحظة الخروج من معتقله ومتى يعلن القاضي حكم البراءة أم الإعدام .

مقالات ذات صلة

إغلاق