أقلام الجزائر 24

ذاكرة الصحفي في حقيبة الظهر

” ننسى ولكن التاريخ والجغرافيا وحقيبة الظهر لا تنسى ، ذاكرتها قوية” .
فتيحة زماموش

سألني أحد الطلبة الزملاء في مجال الإعلام والاتصال ذات مرة، ما هو السر في حقيبة الظهر التي تحملينها غالبا ؟ ، لم أتمكن لحظتها من الرد ، رغم أن السؤال أثار انتباهي ، وأشعل ضوءا في عقلي ، وعدم الإجابة مباشرة ، مرده إلى تلك العلاقة الخاصة التي تربط الصحفي بحقيبته ، فهي مستودع أسراره المهنية والاجتماعية والإنسانية أيضا ، وأظنها كذلك بالنسبة للكثيرين ممن يمارسون مهنة المتاعب وعرفوا مسار بيت السلطة الرابعة .
يعجز القلم أن يكتب حروفا يحسبها الكمبيوتر بالأرقام عن حقيبة الظهر، عن قيمة ما تحمله الحقيبة ، بفضل أشياءها الجميلة والذكريات التي صانتها ، وحافظت على تواريخها و احتفظت بمحطاتها ، كما يعجز اللسان عن وصفها في عبارة واحدة ، كرد على سؤال فضولي ، في دقائق فقط ، فالمرور على ذاكرة ” سنوات العمر ” بعدد من الكلمات إجحاف في حق رفيقة درب الصحفي وخيانة عظمى لمن حفظت ذاكرته ، ومساره .
حقيبة الظهر هي أيقونة الصحفي ، من “تحمل يومياته في ممارسة مهنة المتاعب لسنوات طويلة ، تمشي معه في شوارع العاصمة وفي أزقتها الضيقة ، وتتنقل معه عبر مختلف ولايات الجزائر ، تلبي له ولع توثيق الكثير من الأحداث الجانبية التي ترافق التغطيات الإعلامية ، تعتبر أوفى الأوفياء لتحقيق أحلام الصحفي فيراها أهدافا محققة ، وواقعا ملموسا بعد نقل والتطرق لبعض القضايا وإخراجها من الظلمة إلى النور، وتناول الموضوعات الإنسانية وتقديمها في الواجهة ، وتعرية الأخطاء وتقويم الزلات ومحاولة الكشف عن أسبابها والبحث عن وصفات علاجها عبر التنقيب والاستقصاء والتحقيق والحوار التي تستخرج من منجم ” الذهب الإعلامي” اسمه الدولة العميقة .
حقيبة ظهر الصحفي تخفي فوضى الأوراق المبعثرة في كل الجيوب ، وتحتفظ بالعديد من المعلومات التي تضمها الدفاتر المشتتة هنا وهناك، وتعتني بالأفكار التي يتلقفها الصحفي من هنا ، سواء من سائق سيارة أجرة أومن بائع في محل مواد غذائية أو من مسافرين عبر قطار أو من مريض في مستشفى ومن عمال النظافة ومن موظف في بلدية وحتى من سائل عن وجهة الطريق ؟؟
نعم ، محفظة الظهر هي المفارقة الكبرى لدى الصحفيين ، من جهة تعد العنوان الرسمي لكل المولعين بمهنة رؤية العالم بعينين متسعتين ، وبقلب مفتوح على كل الاختلافات ، وبعقل يمحص كل فكرة ” معلومة ” ويسجل كل لقطة ، ومن جهة أخرى تعتبر المكتب المتنقل لصاحب الكلمة والصوت والصورة ، كما تؤدي دور الحريص على حمل الكثير من الأشياء في آن واحد : دفتر وقلم وكاميرا وكمبيوتر محمول ، وأشياء أخرى تسمح لهم بالمضي نحو العالم المفتوح في شوارع المدن وأزقة القرى وجبالها .
حقيبة الظهر هي الصديق الوفي لصاحب القلم ، الذي يشد ظهره ويحميه في تقلبات الحياة اليومية ، فلا أحد يعلم بعدد الأماكن التي مشطتها الأرجل سوى حقيبة الظهر ، ولا احد يعلم بكمية الورق الذي استمله الصحفي سوى حقيبة الظهر ، فالصحفي مهما أتيحت له كل إمكانيات التكنولوجية للحصول على المعلومة وتوثيقها ونشرها وبثها ، لا يمكنه أن يتلمّس ما يكتبه بيده دون الذهاب إلى مصادر المعلومات غير المزيفة ، بداية من المواطن العادي في الطرقات إلى المسؤول في المؤسسات العمومية إلى أقصى نقطة من نقاط هذه الأرض فالبلديات والقرى هي أيضا منجم الأفكار بالنسبة للصحفي ، لهذا أجبته في الأخير بأنه إن أصابنا النسيان وضعفت ذاكرتنا ، فالتاريخ والجغرافيا وحقيبة الظهر لا تنسى فذاكرتها لا تنضب ، لأنها مخلصة لمن وضع فيها الثقة وحمَّلها الأمانة .

مقالات ذات صلة

إغلاق