الأخبار الرئيسيةالوطنحوارات

الباحث الجزائري بلقاسم عبد القادر نصرالدين للجزائر 24:إختراعي الجديد يمكّن ذوي الاحتياجات الخاصة من التحكم في ما حولهم بمجرد التفكير في ذلك

بداية دكتور نشكرك على إتاحة لنا الفرصة للاطلاع عن كثب على ابحاثكم العلمية المختلفة  ضمن  هذا الحوار الاخباري الحصري

لقد اثرت ضجة اعلامية مؤخرا حول مشروع تكنولوجي كبير يتمثل في التحكم باستعمال حركات العينين و اشارات الدماغ هذا الانتاج العلمي الذي اثار كثيرا من الجدل حيث يتطلع الكثير من الباحثين الى التعرف على مضمون هذا الابتكار الجديد الذي من المنتظر ان يساهم كثيرا في ترقية البحث العلمي و الزام الدولة الجزائرية  بضرورة  الاهتمام بالباحثين الجزائريين الذين يتوزعون  عبر عدد من الجامعات الاجنبية  و المختبرات العملية الاخرى .

اذن دكتور ما طبيعة هذا المشروع و ماهي ابعاده العلمية و التكنولوجية ؟

أنا أعمل كباحث في مجال التحكم في الألة عن طريق إستعمال إشارات الدماغ وذلك لتمكين العديد من المعاقين من التحكم في ما حولهم بمجرد التفكير في ذلك. يسمى هذا المجال العلمي بـــواجهة بين الدماغ والحاسوب أو واجهة بين الدماغ و الألة “Brain-Machine Interface (BMI)”، والذي لم يعد فكرة من أفلام الخيال العلمي بل تطور كثيرا لدرجة أنّه أصبح العديد من ألعاب الفيديو الحالية والتي نجدها في الأسواق العالمية تلعب بإشارات الدماغ وحركات العين فقط. وبالنسبة لغير المعاقين ككبار السنّ مثلا فيتم إستعمال إشارات العضلات إضافة لإشارات الدماغ وهذه الإشارات تمكنهم مثلا من حمل الأشياء الثقيلة وصعود الدرج بكل سهولة وذلك بإرسال هذه الإشارات الكهربائية إلى هيكل ألي خارجي “Exoskeleton” ، ولا يقتصر الأمر بالطبع على مجرد التفكير في الشيء لنتمكن من التحكم فيه كما تصور أفلام الخيال العلمي للعامة من الناس ، ولكنه يعتمد على اشارات الدماغ التي تنتج عن هذا التفكير ويتم تحويلها عن طريق الحاسوب الى اوامر للتحكم في الاشياء. ومثل هذه الابحاث تجري في اكثر من دولة في جميع انحاء العالم منذ فترة ليست بالقصيرة. وقد تمكنت أنا كذلك لما كنت طالب دكتوراه في معهد طوكيو للتكنولوجيا باليابان من نشر بعض البحوث العلمية في هذا المجال ، فقد نجحت في التحكم في لعبة فيديو بواسطة خوارزمية جديدة تقوم بتصنيف حركات العين الملتقطة من التخطيطي الكهربائي للنشاط الدماغ EEG وهي فكرة عملية ومبتكرة ملائمة لتطبيقات الحياة اليومية ، فكل من سبقوني من الباحثين كانوا يستعملون كاميرات أو أقطاب كهربائية مثبتة على وجه المستخدم  EOG لإلتقاط حركات العين وكلتا الطريقتين ليست فعالتين بما فيه الكفاية للاستعمالات اليومية.

الى اي مدى يمكن لهذا الاختراع الجديد ان يساعد فئة ذوي الاحتياجات الخاصة ؟

هذه التقنية الجديدة التي إبتكرتها والتي تتمثل في خوارزمية فعالة لتصنيف حركات العين من إشارات EEG بإستعمال اثنان من الأقطاب الكهربائية المثبتة حول الأذنين لو أنني قمت بتطويرها أكثر من فكرة متبتة إلى منتوج متوفر في السوق ورخيص الثمن فستمكن حتما المعاقين حركيا و المشلولين كليا أو نصفيا وحتى المقطوعة أطرافهم من إرسال رسائل بإستعمال حركات العين الملتقطة من إشارات أدمغتهم فقط و تساعدهم حتى من التحكم في الروبوت والكرسي الكهربائي المتحرك و الانارة و الاجهزة المنزلية أو حتى لعب بعض ألعاب الفيديو للترفيه عن أنفسهم قليلا. وبهذا يصبحون أكثر إستقلالية في قيامهم بواجباتهم وقضاء حوائجهم بأنفسهم فلا يشعرون بأنهم عبئ على أحد.

انطلاقا من هذا المشروع العلمي هل انت على اتصال مع السلطات الجزائرية للاستفادة من خبراتك في مجال البحث العلمي و التكنولوجي ؟

إذا كنت تقصد بالسلطات الجزائرية الحكومة والمسؤولين فأنا لا أعرف حتى كيف يستطيع شخص بسيط مثلي التواصل معهم ،وبحكم  صفتي كباحث فالجامعة الجزائرية هي من يجب ان يتم معها التواصل لايجاد سبل كفيلة لاستغلال خبراتي في مجال البحث العلمي و التكنولوجي لكن رسميا لم اتلقى اي اقتراح من هذه الجهة. انا خريج الجامعة الجزائرية بامتياز و لا انكر فضلها فيما انا عليه اليوم من علم و خبرة ، فمما لا شك فيه ان بلادي اولى باستغلال طاقاتي ومهاراتي العلمية. أما إن كنت تقصد بالسلطات الجزائرية سلطة الشعب والإعلام فأنا مثلي مثل كل جزائري يناضل من أجل أن يرفع علم وطنه في المحافل الدولية ، وهكذا فإني أرى نفسي دائما على صلة دائمة بالشعب الجزائري ، ونشر الجزائريين لأخباري وصوري على المواقع الاجتماعية خير دليل على ذلك.

مشروعي الجديد مجال التحكم في الحاسوب عن طريق إستعمال إشارات الدماغ لفائدة ذوي الاحتياجات الخاصة  لتمكينهم من التحكم الجيد  في ما حولهم بمجرد التفكير في ذلك.

13243927_10205588615465251_7443166842414745131_o

 كيف تنظر الى وضعية البحث العلمي في بلادنا بالنظر الى نقص الوسائل التقنية الحديثة ؟

فيما يتعلق بالبحث في الجزائر، سأكون صادقا: رغم الجهود المبدولة للارتقاء بالجامعة الجزائرية الا انها لا تزال بعيدة عن المستوى المطلوب للبحوث العلمية. في العقود الماضية لم يتمكن أي باحث أو فريق بحث جزائري من نشر ورقة علمية واحدة في مجلة مرموقة مثل Nature. والأسوأ من ذلك، الطلب الغريب الذي جاء من بعض الأساتذة وطلبة الدكتوراه لإلغاء الالتزام بنشر ورقة علمية للحصول على درجة الدكتوراه. ليست هذه الطريقة التي تحل بها مشاكل التعليم والبحث العلمي في الجزائر، علينا أن نركز مباشرة على مصدر المشكلة وعدم التعامل مع العواقب فقط، فلا يكفي تسخير الدولة لأموال كبيرة في مجال البحث العلمي و مراكز البحث بل يجب التركيز على التنظيم المحكم للمشاريع العلمية، وتحسين إدارة الموارد البشرية والمادية وتوفير البيئة المناسبة للباحثين.

أعتقد أنّ أفضل حل لإنقاذ الأجيال المقبلة يكمن في عودة جميع الباحثين الجزائريين إلى ديارهم للمساهمة في التنمية وتطوير البلاد. أعرف أن هذه تضحية كبيرة بالنسبة لهم، ولكنه أمر حتمي للنهوض بالبلاد من جديد. ولنكون صادقين، المختبر الذي ليس لديه إنتاج علمي من حيث الأوراق العلمية أو براءات الاختراع يجب أن يغلق أو يمنح لمن هو أكثر كفاءة، نحن نفتقر أيضا لمحاسبة الباحثين ومراقبة المشاريع البحثية. على الرغم من كل هذا و بما انني خريج الجامعة الجزائرية، فما زلت متفائلا جدا من حيث مستوى البحث في الجزائر لأن لدينا بعض المهارات الفردية التي تعمل في الجزائر رغم كل العراقيل، كما أن لدينا تعليم عالي قوي من حيت النظري الذي هو مهم جدا لتعزيز التقدم نحو الأمام ببلدنا الجزائر. وأظن أن اليوم الذي نتوقف فيه عن التفكير بأن الأستاذ الجامعي يجب أن يعمل تسع ساعات فقط في الأسبوع، ونقبل أنه بالتأكيد عليه التدريس لتسع ساعات ولكن يجب أن يقضي كل ما تبقى من وقته وعمره خدمة للبحث والمجتمع، يومها يمكننا أن نرى ثمرة التعليم والبحث العلمي في الجزائر.

 ماهي العراقيل التي تعترض الباحثين في الجزائر في ظل البروقراطية المتفشية في هذا المجال ؟

هناك عدة عراقيل علمية وعملية -لا يمكن سردها وحصرها في هذا المقام- تنجم عنها صعوبات في تطبيق المشاريع العلمية في الميدان. من نجح ان يصبح باحثا مرموقا في الجزائر تأكد انه خاض معارك بيروقراطية واجتماعية ومعيشية خارج حقله العلمي واختصاصه ما ينقص حتما من اداءه ومردوده العلمي، فالعراقيل دائما موجودة مما يستوجب على الباحث الجزائري الشاب مضاعفة جهده الفردي وأحيانا كثيرة الإستعانة بخبرات ومساعدات الباحثين الجزائرين المقمين بالخارج.

المختبرات  الجزائرية  التي ليس لديها إنتاج علمي من حيث الأوراق العلمية أو براءات الاختراع يجب أن تغلق

 لماذا اخترت ان تعمل مع اليابانيين في مشروع جديد الخاص بالتحكم في الرجل الالي ؟

أنا اليوم أعمل في مشروع علمي كبير إسمه المختصر “ImPACT” والذي يعني باإلنجليزية: “Impulsing Paradigm Change through Disruptive Technologies Program” تحت إشراف البروفيسور الياباني هيروشي إيشيغورو “Prof. Ishiguro Hiroshi” ، وأحد أهداف هذا المشروع هو التحكم في الروبوت “Humanoid” عن طريق إشارات الدماغ لدراسة عملية تعدد المهام “Process Multitasking” عند اإلنسان. حيت صنع البروفيسور إيشيغورو روبوتات يابانية تكاد تطابق البشر شكلاً ونطقاً ، وتمتاز الروبوتات الجديدة هذه بتصميمها الذي يقارب بشكل كبير شكل البشر ، بالاضافة إلى التقنيات المتطورة التي زودت بها هذه الروبوتات لتتمكن من محاكاة النطق البشري بالصوت وأسلوب التعبير. كما تقوم الروبوتات أثناء تواصلها مع البشر بحركات طفيفة في الوجه واليدين لتحاكي التعابير البشرية الطبيعية. وكرأي شخصي أرى أنّه من الصعب لشخص لم يسمع بهذا النوع من الروبوتات المشابهة للبشر “Robot Humanlike” من قبل أن يشك ولو للحظة على أنها ليست ببشر مثلنا. وعلى القارئ أن يتصور كيف ستكون ردة فعل بعض القبائل اإلفريقية التي لم تصلها التكنولوجيا الحديثة حتى يومنا هذا حين تشاهد هذا النوع من الروبوتات. ومن هنا يمكننا تخيل العالم بعد مئة عام من اليوم الذي سيصبح فيه إمتلاك هذا النوع من الربوت مثل إمتلاك هاتف محمول ، فقد يمتلك المرء ربوت أو أكثر يشبهه في كل شيء مما يمكنه من التواجد “Presence Physical” في عدة أماكن والقيام بأعمال مختلفة في الوقت ذاته.

11124844_10203563390955904_5707982460045075630_o

 هل هجرة الادمغة الجزائرية سببها عزوف السلطات العمومية عن ترقية البحث العلمي وعدم الاهتمام بابحاث الدكاترة و االباحثين ؟

لا توجد سياسة جادّة من أجل الاستثمار في العقول ولا قوانين أو منهجية واضحة لتحفيز الأدمغة الجزائرية على العودة، فمثلا لو عدت أنا من تلقاء نفسي إلى الجزائر فسأجد نفسي أصارع المشاكل الأساسية للحياة من أجل الحصول على مسكن ومنصب عمل يمكنني من القيام بمهامي كباحث. فما توفره اليابان لي لاستغلال قدراتي العلمية في تطوير بحوثها لن تستطيع بلدي توفير نصفه ، بل لا أحد يحاول توفير ولو الشيء القليل لنا. حلمنا ان نخدم بلدنا بما اوتينا من علم و قدرات وحتى ان لم يسعفني الحظ للعودة لموطني وخدمته فأنا جزائري وسأناضل من أجل أن يفتخر بي أهلي وأحبتي وكل جزائري غيور على وطنه ، فالشمس اجمل في الجزائر من سواها من البلدان والظلام حتى الظلام هناك أجمل.

 ما الحل في نظركم لعودة الادمغة من الخارج ؟

الحل بسيط جدا ، كل ما نحتاجه هو نية صادقة من المسؤولين تضمن لنا حقوقنا مع خطاب قومي تحفيزي يدعم فكرة الاستثمار في الأدمغة الجزائرية للنهوض بوطننا الجزائر، فبقدر ما يجب على الدولة الجزائرية ان توفر للباحث ظروف النجاح العلمي فانه ينبغي على الباحث ان يؤمن بان نفس هذه الدولة التي نشاء في منظومتها التربوية و العلمية هي اولى بحصد ثمرات اعماله. عودة الادمغة مسألة يجب النظر فيها من عدة زوايا، فالعالم الجزائري خارج بلاده في ارقى الجامعات و المخابر العالمية يبحث بجد و يعمل دون توقف و يطور مكتسباته ومهاراته و يعمل وفق برنامج واضح كل جوانبه و ضمن فريق علمي يتألف من خبراء عالميين من مختلف الجنسيات ويعيش في بيئة تؤمن بالبحث العلمي ومناسبة له. أما في حال عاد للوطن يصدمه واقع لا يؤمن بقدراته يغرقه في دوامة البيروقراطية فعلى سبيل المثال لو عاد عالم جزائري برتبة بروفيسور سيجد نفسه يدرس في الجامعة مثله مثل حملة شهادة الماجيستر وبنفس الراتب، وهذا القانون الجائر الغير المعترف بخبرات الباحثين العالميين المتعامل به في الجزائر هو مقيرة لابداع وللمنافسة العلمية. ويجب كذلك ان تتوفر في الباحث والعالم نفسه رغبة الرجوع للوطن التي يجب أن تقابلها نية صادقة من المسؤولين تتمثل في خلق المناخ المناسب للبحث العلمي و إنزال العلماء والباحثين منزلتهم الحقيقية –العلمية والمعنوية- التي يستحقونها.

الادمغة الجزائرية في نزوح متواصل نحو الدول الغربية و الدولة  الجزائرية تفتقد لاستراتجية معمقة  للاستثمار في كل طاقاتها العلمية

 هل تظن انك حققت حلمك في انجاز علمي جديد فريد من نوعه لصناعة  و تسويق افكارك في مجال التحكم في اجهزة الحاسوب و استعمال اشارات الدماغ ؟

نعم لقد حققت حلما من أحلامي الكثيرة ورغم هذا فمع كل صباح أصنع ألاف الأحلام التي مازلت أعمل على تحقيقها ، واحداها مثلا فتح مخبر علمي أو شركة مصغرة “Startup” تكون الأولى من نوعها في الجزائر لصناعة وتسويق أفكاري و بحوثي في مجال التحكم في الأشياء بإستعمال إشارات العضلات و الدماغ.

قبل ان ننهي هذا الحوار من هو بلقاسم عبد القادر نصر الدين علميا ؟

هو خريج الجامعة الجزائرية بكل محاسنها و نقائصها، متحصل على شهادة مهندس دولة من جامعة مستغانم و شهادة ماجيستر من جامعة وهران ومؤخرا تحصلت على الدكتوراه من معهد طوكيو للتكنولوجيا باليابان، وأعمل اليوم كباحث منذ أكثر من عام بجامعة أوساكا مع أشهر العلماء في العالم مثل البروفيسور هيروشي ايشيجورو والبروفيسور الطبيب الجراح ماسايوكي هيراتا، لدي بعض البحوث العلمية المنشورة في مجلات عالمية مرموقة في مجالي العلمي وشاركت في العديد من المؤتمرات العلمية باليابان والولايات المتحدة الأمريكية. مثلي الأعلى وملهمي هو بويعقوب أستاذ التعليم الثانوي المميز لمادة الفيزياء الذي أمن بقدراتي وذكائي في مرحلة المراهقة حيت لم يؤمن بي أحد، علمني حب التحدي ومتعة حل الألغاز العلمية، كان أعظم أستاذ درسني حتى يومنا هذا.

و في الاخير دكتور شكرا جزيلا لك بعدما خصصت لنا حيزا هاما من وقتك  لتزودنا بمختلف  المعلومات حول مشروعك الجديد الذي نتمنى  ان يرى النور قريبا و يلقى دعما كبيرا من قبل السلطات العمومية .

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق