الأخبار الرئيسيةالوطنحوارات

أقراص الموت.. من الأطباء والصيادلة إلى الضحايا

ربما لم يدر بخلده هو يسأل ابناء حيه مده بقرص مما يتناولنه، أن ذلك هو خطأه الأكبر الذي سيقوده الى تجرع موته بيديه، أربع أقراص تناولها “سيف الدين. ل” دفعة واحدة، بعد أن بات مدمن على “ليركيا” كانت نهاية قصته التي انطلقت قبل وقت غير بعيد.

فصول القصة ان الفضول قتل صاحبه، فابن مدينة الحروش بولاية سكيكدة شرقي الجزائر العاصمة، اكتشف الحبوب المهلوسة، وبحث عن تجربة اثارها، في جلسة مع أبناء حيه ممن هم في سنه أو أزيد قليلا، جلسة تناول فيها سيف أول حباته من “بريغابالين 300”.

بريغابالين – ليريكا

ذات الحبة التي نقلته للعناية المركزة بإحدى غرف الانعاش الاستشفائية، لمدة ثلاث ساعات، قبل أن تفيض روحه، إثر توقف جهازه العصبي، رغم مساعي الأطباء المتكررة لإنقاذ حياته، بعد أن عانى ابن 24 سنة من غيبوبة بشكل مفاجئ، اثر مرور ساعة على تناوله حباته الأربعة.

بريغابالين 300

قصة سيف التي انتهت بموته، ليست الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، فقائمة ضحايا “ليريكا” تضم العشرات من الشباب، بعضهم انتهى به المطاف في غرف مشافي الأمراض العقلية، بينما فئة أخرى، كان مآلها السجون، بعدما صدرت في حقهم أحكام سجنية.

شباب تمكنوا من الوصول إلى دواء يصنف كمادة خطرة لا تمنح إلا بوصفة طبية، ولكن مع ذلك منحت لهم بكميات هامة بحث كاتب هذا التحقيق عن المسار الذي مرت به لتصل إلى يد مستهلكها الأخير.

في ظل ثغرة تجعل من دواء “ليريكا” غير المصنف ضمن الأدوية المخدرة والمؤثرة عقليا، بحسب جدول وزارة الصحة الجزائرية.

 

كانت الانطلاقة من مستشفى دريد حسين للأمراض العقلية بالجزائر العاصمة، يقبع به العشرات من المرضى المصابون بأمراض عقلية، جزء منهم مرّ بتجربة مع هذا الدواء، لكن لا يمكن الجزم بأن تناول أقراص منه أو الافراط منها يقود صاحبها إلى الإصابة بمرض عقلي، على حد قول “مصطفى.و” طبيب مختص بالمستشفى.

محمد.ج، شاب عشريني، ابن حي بلاطو الشعبي بوهران، من بين العشرات من المرضى ممن يتابعون العلاج في مستشفى سيد الشحمي بولاية وهران، بعدما ظهرت عليه بعض الأعراض غير الطبيعية، دعت عائلته لعرضه على الأطباء المختصين، هذا الأخير أمر بوضعه في المركز الاستشفائي المذكور لمتابعة حالته.

شقيقه الأكبر، يؤكد أن محمد كان يتعاطى بصفة يومية أقراص “ليريكا”، يحصل عليها من عند جدته المصابة بمرض “الالتهاب الغضروفي”، دون علمها، بعدها، دخل عالم الادمان باستعمال الحبوب المهلوسة من نوع آخر، ومع الأيام، ساءت حالته الصحية إلى أدخل إلى المستشفى لتلقي العلاج.

 

استناد للأرقام المقدمة من طرف الطبيب، فإن الفئة التي تخضع للعلاج داخل المركز تتراوح أعمارها ما بين 16 و 60 سنة، في كل 100 حالة مرضية، يوجد عشرة منهم، لهم سابقة مع دواء “ليريكا”، تحديدا الشباب ممن أعمارهم محصورة ما بين 20 و35 سنة.

عادة، ما يوصف دواء “ليريكا”، وفق شرح الطبيب، لوقف أو تخفيف الآلام الحادة للمصابين بأمراض السرطان وللأمراض التي لها صلة بالأعصاب ومن لديهم اصابات في العظام وكذلك مرضى السكري، وظيفته قطع الاتصال والاحساس بين الخلايا العصبية.

ينتج عن تناول قرص من هذا الدواء، عند الشخص، فقدان الاحساس، يترتب عنه افراز الجسم هرمونات تشعره بالراحة والنشوة، ثم يدخل في حالة لا وعي تدفعه لاقتراف أفعال والقيام بتصرفات ما كان له أن يقوم بها في الحالة العادية، وهو ما يفسر اقبال الشباب على تعاطيها، في نظر الطبيب.

 

وتُصنع “ليريكا” من طرف شركة “فايزر” بأنواع مختلفة من فئة (25 ملغ و50 ملغ و75 ملغ و100 ملغ و150 ملغ و200 ملغ و300 ملغ)، بعلب تحتوي 46 قرصا أو 84 قرصا، كما توجد أدوية جنيسة لها تصنع بالجزائر من طرف مخابر معتمدة من طرف وزارة الصحة وبترخيص من الشركة الأم.

غير أن أغلب فئات الدواء المذكورة، ليست متوفرة في السوق السوداء، أين تروج الحبوب المهلوسة عدا فئتين (150 ملغ و300 ملغ)، وهو ما كان من بين النتائج توصل اليه التحقيق، بعد جولة في ثلاث مناطق، منها العاصمة ووهران والمسيلة، يكثر بها تعاطي الحبوب المهلوسة.

وتصنع في الجزائر أدوية جنيسة لدواء “ليريكا 300 ملغ” من نوع ( ريكابالين وبريغابالين وبريغابا وريغابا وبريغابالين أل دي أم ) من طرف خمسة مخابر معتمدة من طرف وزارة الصحة منها (مخبر الحكمة ومخبر فراتر راسز ومخبر بيكر ومخبر فارما ليونس ومخبر التشخيص المغاربي) بحسب مصدر مسؤول من وزارة الصحة تحفظ على ذكر اسمه.

وتدر تجارة حبوب “ليريكا”، التي يطلق عليها اسم “الصاروخ” في وسط المستهلكين، أرباحا معتبرة، معدلها اليومي في حدود 70 دولار، كون القرص الواحد يقدر ثمنه في سوق التجزئة ما يقارب 10 دولار، بنسبة فائدة تتجاوز 7 دولار في العلبة التي يباع منها يوميا عشر علب، وفق ما صرح به أحد تجار هذه الحبوب (بشير.ز).

“بشير” أو “الروجي” كما يلقبه أبناء حيه وسط مدينة المسيلة، شاب في 27 من العمر، بدأت علاقته مع هذا الميدان، منذ سنتين، كمستهلك قبل أن يتحول إلى مروج لهذا النوع من الحبوب، بعد دخوله السجن لمدة 3 أشهر بسبب حيازته أقراص من نوع “ليريكا”.

خلال فتره وجوده بالسجن، تعرف الروجي على شبكة من مروجي هذه الحبوب ينحدرون من ضواحي مدينة قسنطينة، يشتغلون في هذا الميدان منذ سنوات، ومنذ ذلك الحين، أصبح الروجي ممثل هذه الشبكة بمنطقة المسيلة وضواحيها، بحسب تصريحه.

ويقبع المئات من الشباب الموقوفين في السجن بسبب “ليريكا”، بعضهم صدرت في حقهم عقوبات حبسية، وفق المحامي وعضو الرابطة العربية لحقوق الانسان عبد الغني بادي. وهناك فئة أخرى حدد لها القانون أساليب علاجية من شأنها مساعدة المدمن بوضعه تحت الاستشفاء من الادمان ويكون هذا بحكم.

وفيما يخص اعتقال الاشخاص المستهلكين أو المتاجرين بالمادة دون وصفة طبية، يقول بادي إن المبررات القانونية موجودة سواء تم اعتبار المادة عبارة عن مؤثرات عقلية وحسب رأي وراي القانون فهذا توجه خاطىء مخالف لقانون الصحة ، اما اذا تمت متابعتهم على اساس حيازة مواد صيدلانية دون وجه حق او المتاجرة فيها فالأصل ان العقوبة هنا مجرد غرامة.

 

ويميل أغلب هؤلاء التجار الشباب إلى ربط علاقات متينة مع بعض الصيادلة للتزود بهذه المادة، مقابل اقتسام الارباح، ذلك أن الصيدلي يجد في تسريب “ليريكا” إلى أناس محل ثقة لتداولها في سوق الحبوب فائدة مادية مغرية على أن يبيعها للمرضى.

أما البعض الآخر، يمر عبر الطرق القانونية بالحصول على وصفات وتقديمها إلى الصيدلي، بغية الحصول على الدواء، سواء عن طريق الدفع المباشر أو باستعمال بطاقة التأمين، وهذا ما أكده أحد مسؤولي الضمان الاجتماعي في تصريح سابق لوكالة الأنباء الجزائرية الذي اعترف بأن دواء “ليريكا” الاكثر طلبا بواسطة هذه البطاقة المسماة “بطاقة الشفاء”.

فيما يجنح آخرون إلى طريقة الاحتيال على الأطباء، بالتظاهر بالآلام الحادة عند الفحص، بغية دفع الطبيب إلى تقديم وصفة بها دواء “ليريكا” أو دواء آخر جنيس، أو تزوير الوصفات ونسخها بطريقة دقيقة، ومنه يسهل على المحتال الحصول على الدواء بطريقة قانونية من الصيدلي، الملزم بتقديم الدواء للزبون.

وبعد شهرين من التحري، تبين أن العديد من المرضى صاروا لقمة صائغة في يد هؤلاء التجار، بحسب تصريح صيدلي متقاعد (مقدم. علي)، إذ يجري توظيفهم في الحصول على هذا النوع من الدواء، من خلال حصول المريض على عدة وصفات من عدة أطباء، ثم استخراج الدواء من عدة صيدليات من مناطق مختلفة.

بعض هذه التهم، المتعلقة بتواطؤ الصيادلة، ينفيها نقيب الصيادلة الخواص مسعود بلعمبري، بحجة أن عملية الحصول على هذا الدواء ليست سهلة كما يعتقد البعض، لوجود اجراءات احترازية يتعين على الصيدلي الالتزام بها، منها تقييد الدواء في سجل الجرد، وعند تسليمه للمرض، يدون اسم المريض على سجل الحبوب المهلوسة مرفق بالوصفة وببطاقة التعريف.

ومن بين الحجج الداحضة للتهم، يكشف النقيب أن السجل الذي يدون فيه اسم المريض المستفيد من هذا الدواء، تراقبه لجنة مشتركة بين وزارة الصحة والمصالح الأمنية.

زيادة على ذلك، يقول إن الصيادلة باتوا يتوجسون من هذا الدواء الذي ألحق بهم متاعب كبيرة، وعلى هذا الأساس صار الصيادلة يتعاملون مع هذا الدواء على أنه من الحبوب المهلوسة، رغم أن وزارة الصحة لم تصنفه في جدول الأدوية المخذرة والمؤثرة عقليا.

أما رئيس عمادة الأطباء بقاط بركاني، فإنه يؤكد على أن هذا الدواء غير مصنف ضمن الأدوية المؤثرة عقليا، غير أنه لا يسبب تأثيرات على من يتناوله، وخطورته تكمن في سوء استعماله والافراط منه، كونه ضروري لبعض العلاجات، منها الآلام والالتهابات.

ويوضح أن الطبيب مطالب بتقييد هذا الدواء للمريض عند ظهور أعراض تستلزم ذلك، مشيرا إلى أن الألم يصعب تشخيصه لأن الطبيب يبني تشخيصه بناءا على ما يحس به ويشهد به المريض عند الفحص، وبالتالي لا توجد أي مسؤولية تجاه الطبيب، في اعتقاده.

هذه المعطيات المتحصل عليها، شجعت معد التحقيق نحو القيام بمحاولة الاحتيال على طبيب والتظاهر بالأعراض الموائمة بغرض حيازة وصفة تحتوي على دواء “ليريكا” ثم تقديمها إلى الصيدلي للحصول على علبة عن طريق الدفع المباشر.

بعد ثلاث محاولات مع أطباء في مدينة وهران في كسب ثقتهم في الحصول على وصفة بها دواء ليريكا، للحد من الآلام على مستوى صدغ الرأس والتي عادة ما تنتهي بالصرع باءت بالفشل، نجحت المحاولة الرابعة مع مختص في أمراض الأعصاب مقره كائن بشارع “مستغانم”.

لم تكن عملية اقناع الطبيب المتحدر من مدينة تلمسان سهلة، للحصول على دواء “ليريكا” وحده حتى يخف الألم ثم العودة إليه في زيارة ثانية لمتابعة الفحوصات الأخرى من اختبار أشعة الدماغ، وبعد نصف ساعة من التشخيص، كانت الوصفة بين يدي معد التحقيق.

اقتناء هذا النوع من الأدوية، ليس بالأمر السهل، فبعض الصيادلة، يتحاشون بيعه والآخرون يتحججون بعدم توفره أما البعض الآخر يشترط ترك الوصفة والعودة في اليوم الموالي، حتى يودع الطلب عليه عند الموزع أو صيدلي الجملة، فيما يلزمك الأغلبية بتقديم الوصفة مرفقة ببطاقة التعريف.

بغرض سد الثغرات التي تتسرب منها هذه الأنواع من الأدوية، تقوم مصالح التفتيش التابعة لوزارة الصحة بحملات تفتيش للصيدليات والمستشفيات والأطباء ضمن مخطط سنوي في اطار التفتيشات العادية، فضلا عن عمليات تفتيش اخرى مشتركة مع مصالح الأمن، بحسب لهلالي لهلالي الامين العام لمديرية الصحة لولاية الجزائر.

ويوضح المتحدث أن عمل المفتشية يكون في اطار مخطط مراقبة سنوي أو بناءا على شكاوى، على اثرها تتحرك هذه الفرقة، وفي حال وجود تجاوزات من طرف الصيدلي أو الطبيب فإن الهيئة تحيلهم على مجلس أخلقيات المهنة للنظر في أخطائهم واستصدار عقوبات، وإحالة الملف على القضاء إذا كان التجاو0ز خطير مع الأمر بالغلق.

كل هذه الإجراءات الاحترازية المتخذة من طرف السلطات الوصية، غير أن عددا كبيرا من هذا الدواء أصبح متداولا بشكل واسع في الأسواق السوداء وفي متناول الشباب المدمن، في غياب معطيات دقيقة حول الكمية المستهلكة، إلا أن عدد مستهلكيها في تزايد، إذ قدره رئيس المنظمة الوطنية لرعاية الشباب عبد الكريم عبيدات ب500 ألف شاب تتراوح اعمارهم ما بين 15 و35 سنة.

ويبقى الخطر قائما ما لم تتحرك الجهات الوصية من أجل إيجاد حلول جذرية لتفشي هذا الدواء بشكل غير قانوني بين صفوف الشباب، بعدما تسبب في وفاة البعض وإصابة البعض الآخر بأمراض عقلية وآخرين قادهم إلى السجون.

*أنجز هذا التحقيق بالتعاون مع المنظمة 19 وجمعية تاج، وتحت إشراف حسان العيادي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى