بكل حرية

عندما يكون الجميع متهما ولا أحد بريء

لم تمر أحداث سجن “صيدنايا” قرب دمشق دون أن تضاف إلى صفحات الحرب المروعة في سوريا، بعد أن اتهمت منظمة العفو الدولية الحكومة السورية بتنفيذ إعدامات جماعية سرية شنقا بحق 13 ألف معتقل غالبيتهم من المعارضين، في سجن صيدنايا خلال 5 سنوات من النزاع في سوريا. كما لم تمر عملية الإنزال الأمريكي في اليمن بحجة محاربة الإرهاب بسلام، بعدما وصفتها اليمن بأنها قتل للمدنيين وعمل مدان ودعم للإرهاب، إضافة إلى احتجاجات التيار الصدري في العراق وما سيتبعها من ردود فعل.
كل هذه الأحداث وأخرى تجعلنا نطرح كل مرة نفس السؤال، من البريء ومن المتهم في كل الصراعات التي تحدث في العالم وعلى رأسها التي تحدث في الدول العربية؟ من سبب كل هذه الأزمات والأحوال الكارثية التي يعيشها أكثر من بلد عربي؟ ففي منطق الحروب هناك ظالم ومظلوم ونجد أن أحد الأطراف المتصارعة هو من اعتدى على الآخر، أملا في نهب خيراته وثرواته في حالة الاستعمار والاحتلال. أما الصراعات التي تحدث اليوم فهي صراعات بين أبناء الوطن الواحد، وحتى إن تدخلت أطراف أخرى إلا أن الشرارة كانت من الداخل، وفي هذه الحالة يصعب تحديد من الظالم ومن المظلوم.
وكغيرها من دول العالم عانت الدول العربية من ويلات الاستعمار، لتعيش في السنوات الأخيرة حروبا من نوع آخر أججتها الشعوب هذه المرة، لتتحول احتجاجات ومظاهرات سلمية إلى حروب طاحنة، تحتاج مخلفاتها إلى عشرات السنين لتجاوزها ومحو آثارها، في كل من سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن وغيرها. ففي مثل هذه الحروب التي يعرف الجميع تفاصيلها، هل نوجه أصابع الاتهام للشعوب التي خربت بيوتها بأيديها؟ أم للأنظمة الدكتاتورية التي حولت حياة الشعوب إلى جحيم، أم إلى المعارضين للنظام وبصفتهم معارضة فهم يعتبرون أي نظام مهما كان دكتاتوريا وظالما؟
هل نتهم التحالفات العربية والأجنبية التي تتدخل فيما لا يعنيها، وتتدخل في شؤون البلدان والشعوب الأخرى، أم أنها تريد فعلا إصلاحا؟ فالتحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة أمريكا في سوريا والعراق زاد الأمور تأزما، والتحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن أصبح يقتل المدنيين أكثر من الحوثيين، الذين قد يكونون هم كذلك في صف الأبرياء أو المتهمين.
هل نتهم القوات السورية المتهمة بدورها باستخدام الغازات السامة والكيماوي والبراميل المتفجرة للإبادة والقتل؟ أم نتهم وسائل الإعلام التي تحول من تريد إلى وحش ومجرم يتفنن في قتل شعبه، وتصف من تريد بالانقلابيين والمتمردين والمسلحين وآخرين بالثوار والجهاديين؟ أم نتهمها لأنها تحول من تريد إلى ملاك بريء فتؤيد مواقفه وتصرفاته حتى إن كانت خاطئة، وذلك تحقيقا لمصالحها الخاصة، ضاربة بأخلاقيات المهنة من مصداقية وشفافية وموضوعية عرض الحائط. أم نتهمها لأنها لم تعر المشاعر الإنسانية أي اهتمام عندما تعرض صور الجثث المبتورة والرؤوس المقطوعة وغيرها من المشاهد المرعبة؟ أم ربما تكون بريئة لأنها تريد من خلال هذه الصور إيقاظ الضمير الإنساني.
هل نتهم في هذه الحروب الجماعات الإرهابية أمثال “داعش” وأخواتها التي تقتل وتذبح بدم بارد؟ أم نتهم من كان السبب في جعل شخص بكامل قواه العقيلة ينفذ هجمات انتحارية دامية، قد تكون بدافع الانتقام بسبب الظروف القاسية التي يعيشها. أم نتهم من انتزع براءة الأطفال بجعلهم يحملون السلاح، بل ويقطعون رؤوس البشر أيضا. أم نتهم المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية التي تكتفي فقط بالمراوحة وبعبارات التنديد والرفض والاستنكار أمام العديد من الجرائم. الحقيقة أن هناك أسئلة كثيرة نطرحها يوميا، لنصل إلى إجابة لسؤال شامل مفاده: لماذا تحدث كل هذه الأزمات ومن سببها؟ الإجابة هي أننا نعيش حرب مصالح وحرب الجميع ضد الجميع، وعندما تطغى المصلحة على القيم والأخلاق والمبادئ، يصبح الجميع متهما ولا أحد بريء.

مقالات ذات صلة

إغلاق