بكل حرية

لهذه الأسباب جامعاتنا خارج الترتيب

مرة أخرى سأتحدث عن التعليم في الجزائر لكن عن التعليم العالي هذه المرة أو الجامعة التي يفترض أن تكون مفخرة للجزائر، والصرح العلمي الذي يتخرج منه الدكاترة والمثقفون والمفكرون، ولكن هل هي كذلك عندنا ولماذا هي دائما خارج الترتيب العالمي لأحسن الجامعات؟ ولماذا لا تمر سنة جامعية إلا وتشهد العديد من الإضرابات في مختلف جامعات الوطن لأسباب عدة؟ وصلت هذا العام إلى درجة إضراب الطلبة عن الطعام وشبح السنة البيضاء يهددهم، بعدما دخلت الاحتجاجات شهرها الرابع دون انفراجة تذكر. وإن كانت المرحلة التي تسبق الجامعة صعبة للغاية بإضرابات متكررة وإصلاحات متجددة ومشاكل متواصلة، فإن مرحلة الجامعة هي الأصعب وما بعدها قد يكون الأكثر صعوبة، لأنها مرحلة البحث عن منصب شغل وهي المرحلة التي قد تطول لتمتد إلى سنوات، فلن تشفع لك الشهادة التي اجتهدت لنيلها ليل نهار، من أن تحصل على وظيفة تليق بمستواك ولا حتى أقل من مستواك. ويفترض أن تكون الدراسة الجامعية فرصة لاكتساب المعارف والخبرات والمهارات نظريا وتطبيقيا وفي مختلف التخصصات، وهذا ما لا يحدث في جامعاتنا فبمجرد أن تدخل إحدى الجامعات يمكن لك أن تسميها كما شئت سوى بصرح علمي بحجم الجامعة، فداخل الجامعة فوضى عارمة وانحطاط أخلاقي واسع وفوضى وتسيب وكل ما هو ممنوع، وحتى الإدارة فغالبا ما تجدها خاوية على عروشها، فقنوات الاتصال منعدمة بين الإدارة والطلبة، ما عدا في فترة التسجيلات والطعون. أما فيما يخص الإمكانيات والهياكل التي تتطلبها الدراسات العليا فلم تتمكن جامعاتنا من توفير أدناها في الوقت الذي توظف فيه أحدث التكنولوجيا في المدارس الإبتدائية بالدول المتقدمة. وإن تحدثنا عن المستوى التعليمي في الجامعات الجزائرية فهي من أسوا الجامعات عربيا وإفريقيا، رغم أن بعض أساتذتنا قد درسوا في أكبر الجامعات في العالم، فالأستاذ يتهم الطالب بالتسيب والإهمال وعدم الاهتمام، والأخير يتهم الأستاذ والإدارة بعدم المسؤولية وغياب الضمير تجاه الطلبة. فما هو السبب الرئيسي لتدني مستوى جامعاتنا؟ الجميع يتحمل جزءا من المسؤولية. فكيف للطالب أن يدرس في غياب أدنى الهياكل والإمكانيات وضعف الخدمات الجامعية؟ وكيف للطالب أن يدرس إذا وجد أساتذة قد لا يرتقون إلى مستوى أستاذ جامعي؟ وكيف للطالب أن يدرس وهو يعلم أنه سيصطدم يوما ما بشبح البطالة؟ وفي المقابل يصعب تدريس طلبة محبطين يؤمنون بعبارة “اللي قرا قرا بكري” ويؤمنون بأنه لا مكان للاجتهاد أمام داء “المعريفة” التي أكلت البلاد والعباد، وهذا كله واقع وحقيقة لكنها لا تنطبق على الجميع طبعا.
الجامعة الجزائرية تحتاج لإصلاح عميق ففي الوقت الذي لابد أن تنظم فيه مسابقات لاختيار المتفوقين وأحسن المشاريع البحثية تنظم في جامعاتنا مسابقات لاختيار ملكات الجمال. وفي الوقت الذي لابد أن نكرم فيه الطلبة المتفوقين والمتميزين ونمول مشاريع المكتشفين لتطوير اختراعاتهم نكرم في بلادنا الفائزين في مسابقات الغناء ونستقبلهم استقبال الأبطال. لهذا كله يهجر المثقفون وأصحاب الشهادات العليا أرض الوطن تباعا، ولهذا كله يدرس شبابنا وشاباتنا فقط من أجل الشهادة وعينهم على الهجرة، ولهذا كله يفضل الشباب تجميد الدراسة الجامعية لسنوات أو إعادة السنة، فقط ليتمكنوا من الحصول على بطاقة الإعفاء من الخدمة الوطنية.
وإن كانت بعض المدارس الوطنية العليا قد حفظت ماء وجه الدراسات العليا في بلادنا، فلا ينكر أحد كذلك أن جامعاتنا هي التي أخرجت أكبر الأطباء والباحثين والدكاترة والمفكرين الذين هجر معظمهم أرض الوطن. فالدراسة في الجزائر خاصة الدراسات العليا وما بعد التدرج تحتاج إلى نفس طويل وصبر، حتى الحكومة الجزائرية لم تفعل الكثير لإصلاح القطاع، فالوصول إلى درجة إهانة الأستاذ وضربه أو الوصول إلى درجة إضراب نخبة الطلبة عن الطعام، فهذا أمر غير مقبول. وهذه الأحداث قد لا تكون الأخيرة مادامت الحلول دائما سطحية، ولأن التعليم الذي هو أساس تطور الشعوب آخر الاهتمامات عندنا فنادرا ما يتم التطرق إلى التعليم العالي في الحملات الانتخابية، وهو غائب عن أجندات الحكومة لذلك لم تتغير الجامعة الجزائرية منذ سنوات، نفس الهياكل نفس البرامج التعليمية نفس الإمكانيات والخدمات والأسوأ من ذلك كله نفس المستوى المتواضع.

مقالات ذات صلة

إغلاق