بكل حرية

ماكرون واعتذار لن يكون

بدى واضحا جدا تعاطف عدد كبير من الجزائريين سياسيين أو مثقفين وحتى دون ذلك مع مانويل ماكرون طوال فترة تسابقه على خلافة الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته فرانسوا هولاند ،هذا التعاطف له ما يفسره وإن كانت النزعة العقابية تجاه منافسته في المرحلتين الحاسمتين من الرئاسيات الفرنسية مارين لوبان سببا فيه إلا أن خطاب الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون بالجزائر والذي ظهرت فيه ملامح الاعتراف بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر ،المطلب الرئيسي للدولة الجزائرية في حلقة التفاعل بينها و بين فرنسا ،لكن في مثل هذه الحالات يجب ان لا تفصل الأمور عن سياقها فالجميع يعرف أن زيارة ماكرون للجزائر حينها كانت في إطار حملة انتخابية لها سلوكها ولها كذلك خطابها أي أن تلك التصريحات التي وصفت إعلاميا بالتاريخية لا يجب أن تفصل عن سياقها الانتخابي وغايتها في كسب أكبر نسبة ممكنة من المتضامنين والمؤيدين بما في ذلك جزائريو فرنسا الذين يفوق عددهم الخمسة ملايين وهو العدد الذي بإمكانه صنع الفارق والتأثير على ميزان القوى بين المترشحين للرئاسيات الفرنسية
في الدول العظمى أو الكبرى لا يرتبط السلوك الخارجي للدولة بنفسية أو قناعات القائد بما أن عملية صنع القرار ورسم السياسة العامة تشارك فيها مؤسسات الدولة وهو ما يقصي المقاربة السيكولوجية في عملية تحليل سلوك الدولة خارجيا ومحاولة فهمه وبالتالي فإن مطلب الاعتذار الرسمي الفرنسي للجزائر لن يمر فقط عبر إرادة الرئيس المنتخب ماكرون بل موقف مؤسسات الدولة الفرنسية المعروف انفا سيجعل هذا المطلب يبقى مواجها للرفض والتغييب
ما يجعل من قضية الاعتذار الفرنسي على الجرائم المرتكبة في الجزائر طوال الحقبة الاستعمارية مجرد حملة دعائية انتخابية استعملها ماكرون لاستمالة أصوات جزائرية الأصل هو أن السياسة الخارجية لدولة مثل فرنسا ترسمها بل تحكمها المصلحة التي لن تتوفر في حال ما قدمت اعتذارها الرسمي للجزائر بما أن هذا الاعتذار ستنجر عنه تعويضات وخسائر كبيرة تتحملها الدولة الفرنسية كما أن مستوى الضغط الرسمي الجزائري الى حد الان لا يمكنه إرغام فرنسا على تحمل تلك المسؤوليات والخسائر التي ستتبع موقف الاعتذار
صحيح أن الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون يصنف ضمن خانة المجهول سياسيا فلا هو يميني ولا يساري لكن المنطق السابق يجعل شجاعته واندفاعه ينعكس على الدولة في بعدها الداخلي وفي إطار واضح أما خارجيا مؤسسات الدولة الفرنسية تمتلك صلاحيات وتصورا أشمل لرسم سلوك الدولة
الغموض حول توجه فرنسا ماكرون خارجيا لن يطول خاصة وأن الرئيس الجديد قد جعل من المغرب أول وجهة له كرئيس لفرنسا وهي الخطوة التي تحمل الكثير من الدلالات السياسية والدبلوماسية التي تتعلق مباشرة بموقفه السابق في الجزائر المتمثل في رفض الاستعمار ولعل المغرب هو أخر مستعمر في القارة الأفريقية ككل.

مقالات ذات صلة

إغلاق