بكل حرية

طغيان رأس المال العربي

يدفع العالم العربي ثمن فرقته وعدم اتحاد دوله في حل العديد من القضايا، بداية بالقضية الفلسطينية مرورا بداء ما يسمى بالربيع العربي وصولا إلى شبح الإرهاب، لتكون الأزمة الخليجية الحالية أحدث النزاعات العربية التي لم تتوقف يوما أغلبها صراعات حدودية وأخرى خفية تمتد لعشرات السنين.

وجاءت الأزمة الخليجية لتبين من جديد مدى الفرقة والتباعد بين الدول العربية وعجزها عن حل الأزمات بالطرق السلمية والتحاور، بعدما أعلنت المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر والبحرين قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر بسبب تدخلها في الشؤون الداخلية ودعم الإرهاب، وأرسلت قائمة بثلاثة عشر مطلبا إلى الدوحة مقابل استعادة العلاقات معها، مع مهلة عشر أيام لتحقيقها أو مواجهة العواقب. ومن بين هذه المطالب إغلاق قاعدة تركية في قطر وإخراج القوات التركية من أراضي الإمارة الخليجية، وإغلاق قناة الجزيرة الإخبارية التابعة للدولة، وتقليص العلاقات مع إيران وقطع العلاقات مع جماعة “الإخوان المسلمين”.                                                                                           
عدم الاتفاق بين الدول العربية ليس حديثا فعجزها واضح للالتفاف حول الفلسطينيين ونصرتهم، وعجزها واضح لإغاثة السوريين والعراقيين وحماية اللاجئين وإنقاذ اليمنيين من أكبر كارثة إنسانية تهدد وجودهم، وسبق أن تركت الجزائر تواجه رعب الإرهاب بمفردها في عشرية سوداء مريرة. إضافة إلى النزاعات الحدودية الممتدة لعشرات السنين، حيث اتخذ النزاع الحدودي بين السعودية وقطر عام 1992، شكلا داميا بعد الأحداث التي وقعت على منفذ الخفوس الحدودي السعودي مع قطر، والذي كان سابقا منفذا إماراتيا مباشرا على قطر، وحصل فيه صدام مسلح قتل على إثره جندي سعودي وجنديان قطريان. وعلى حدود اليمن، ظلت مناطق عسير وجيزان ونجران مدار نزاع يمني سعودي منذ نشأة الدولة السعودية، وظلت الحكومات اليمنية تطالب بها منذ الثلاثينيات، لكن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أنهى النزاع التاريخي عام 2000، وأعلن تبعية هذه المناطق للسعودية، وعدم أحقية اليمن بالمطالبة بها وترسيم الحدود بشكل نهائي. ويعد نزاع الحدود المصرية السودانية من النزاعات التاريخية بين الدول العربية منذ انفصال السودان عن مصر، وبقيت منطقتا حلايب وشلاتين منطقة تنازع يدعي كل بلد أحقيته بهما.                                      
ولم تكن دول المغرب العربي بعيدة عن النزاعات الحدودية، خاصة بعد خروج الاستعمار واكتشاف ثروات وموارد طبيعية في الحدود التي لم تحدد بشكل دقيق. ونشب نزاع حدودي بين تونس وليبيا على منطقة “الجرف القاري”، وصلت حدته إلى قيام تونس عام 1977 برفع دعوى ضد ليبيا أمام محكمة العدل الدولية، مطالبة بحقها في منطقة الجرف القاري بالبحر الأبيض المتوسط، إلا أن المحكمة الدولية رفضت الدعوى، واتفق البلدان لاحقا على التفاهم بينهما بشأن الاستفادة المتبادلة من المنطقة. لتتحول العديد من النزاعات الحدودية إلى صراعات خفية تبين مدى الانقسام والهوة بين الدول العربية لغياب الفكر الذي يوحد الجميع، فلا اللغة ولا الانتماء ولا المصير المشترك ولا حتى الدين وحدهم، فلكل فكر معين.
وبإمكان العديد من الدول العربية أن تحرك صواريخها باتجاه إسرائيل العدو الأكبر، وبإمكان العديد منها بغناها الفاحش أن تعيد إعمار غزة أو أن تقضي على المجاعة بجنوب السودان واليمن، وبإمكانها أن تضمن أفضل تعليم وأفضل معيشة لمواطنيها، لصرفهم عن مجرد التفكير في التمرد أو الانضمام إلى الجماعات الإرهابية، لكنها لم ولن تفعل.

هكذا يحدث عندما يغيب الفكر الموحد والمشترك، وعندما يطغى المال على القيم والأخلاق والمبادئ. فمن البلدان العربية من فضلت أن تكون تابعة ومطيعة للدول الكبرى على حساب إخوانها العرب، ومنها من فضلت أن تنشغل بإبادة شعبها سواء بحرب عسكرية أو نفسية، ومنها من تختلق المشاكل مع جيرانها العرب بسبب أو من دون سبب، ومنها من تتوسل المساعدة من الغرب في حين أن إخوانها العرب المترفين. فصدق قول الله عز وجل في الآيتين 6 و7 من سورة العلق: “كَلَّاإِنَّالْإِنسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنرَّآهُا سْتَغْنَى ﴿٧﴾”.

مقالات ذات صلة

إغلاق