بكل حرية

عندما يطوَّق الأقصى

يبدو أن فلسطين المحتلة قد وجدت نفسها وحيدة مرة أخرى، فبالإضافة إلى الجرائم التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي كل يوم في حق الفلسطينيين من مختلف الأعمار، ذهبت سلطات الاحتلال بعيدا هذه المرة عندما طوقت المسجد الأقصى بعد قرار غير مسبوق بإغلاق باحاته أمام المصلين، فرد الفلسطينيون بـ”جمعة نفير” احتجاجا واعتراضا على التضييق وعلى نصب بوابات الكترونية لكشف المعادن عند مداخله. فكانت النتيجة قتلى ومئات الجرحى يضافون للضحايا الذين يسقطون كل يوم في فلسطين المحتلة.
الخطوة الإسرائيلية الجديدة هي اختبار للإرادة العربية مثلما أعلن خطيب المسجد الأقصى “عكرمة صبري”، فإسرائيل لم تتعرض يوما لضغط عربي حقيقي، ولغياب الرادع تتمادى إسرائيل في جرائمها حتى تجاوزت الخطوط الحمراء بتطويقها للمسجد الأقصى وكأنه إعلان واضح لحرب دينية على المسلمين، رغم إقرار القانون الدولي على أن الأقصى حق مقدس للمسلمين. وإذا كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى قد قامت في قطاع غزة لتنتقل إلى كل مدن وقرى فلسطين، والانتفاضة الثانية قد شملت الضفة الغربية وقطاع غزة وبعدها انتفاضة السكاكين في الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل، فإن التصعيد الإسرائيلي الجديد تجاوز كل الحدود باستهداف الأقصى، أمام غياب وسبات عربي متواصل تجاه القضية الفلسطينية، كان من الأجدر أن تكون قضية العرب والمسلمين الأولى والأخيرة.
فمع ظهور ما يسمى بـ”الربيع العربي” نسي أو تناسى الجميع القضية الفلسطينية، وسكت العرب على جرائم الاحتلال الشرسة كبناء المستوطنات غير القانونية والاعتقالات الإدارية والتعسفية التي تطال الجميع حتى الأطفال، والقتل العشوائي للمدنيين والحصار العقابي وحرب الأمعاء الخاوية التي يشنها كل مرة الفلسطينيون في سجون الاحتلال بسبب سوء المعاملة والتعذيب والتغذية القسرية. والاقتحامات المتكررة لباحات الأقصى ففي رمضان الماضي وحده سمح الاحتلال لـ1300 مستوطن باقتحام باحات الأقصى، كما يستغل يهود متطرفون سماح الشرطة الإسرائيلية بدخول السياح الأجانب لزيارة الأقصى عبر باب المغاربة الذي تسيطر عليه، للدخول إلى المسجد الأقصى وممارسة شعائر دينية والإعلان علنا بأنهم ينوون بناء الهيكل المزعوم مكانه.
وبخصوص ردود الفعل الدولية فلم تتجاوز يوما عبارات التنديد والرفض والأسف والمطالبة بمحاكمة المذنبين وتقديمهم إلى العدالة، بل ويثقون أن السلطات الإسرائيلية ستتخذ الإجراءات اللازمة للبحث عن الأشخاص الذين ارتكبوا الجريمة ومعاقبتهم، وكأن السلطات الإسرائيلية ليست السبب وراء كل ما يحدث، وهم الذين يدرسون أبناءهم في التلمود وهو كتاب تعليم الديانة اليهودية، بناء على عبارة “ينبغي عليك أن تقتل أفضل الأغيار”،والأغيار هو مصطلح يهودي يطلقه اليهود على غير اليهود، وهذا ليس فقط مجرد عنصريةبشعة بل تحريض واضح على القتل والإبادة. أما الردود العربية فعن أي عرب نتحدث؟ عن المنشغلين بمحاربة الدواعش ونسوا من أنتج “داعش”؟ أم عن المنشغلين بإبادة شعبهم وقتال بعضهم بعضا؟ أم عن الذين حاصروا دولة عربية أخرى؟ أم عن الذين يحاربون حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ويصفونها بالإرهاب؟ أم عن المنشغلين بالحرب وبناء التحالفات في اليمن؟ لهذا كله مازالت وستبقى الردود العربية غائبة.
ولهذا كله سنضطر لإعادة طرح نفس الأسئلة، فمتى يلتف العرب والمسلمون حول قضيتهم؟ متى يتوحد العرب لنصرة المسجد الأقصى؟ متى يكف المجتمع الدولي عن عبارات التهديد والوعيد ليحاسب المجرمين أشد حساب؟ أسئلة أظن أننا سنواصل طرحها لزمن طويل.

مقالات ذات صلة

إغلاق