بكل حرية

البكاء على الأطلال

لم ينجح المنتخب الوطني لكرة القدم في تحقيق التأهل إلى المونديال هذه المرة بعدما كان ممثل العرب الوحيد في الطبعتين السابقتين، لتخلفه منتخبات عربية أخرى كتونس والمغرب ومصر في روسيا 2018. عدم مشاركة الجزائر في مونديال روسيا حسمت قبل اشهر من الآن، لكن ظروف المنتخب الحالية وتغيير طاقمه الفني صنعت الحدث مجددا وخلفت العديد من الردود وصاحبته العديد من الآراء والتحليلات. فغلب الحديث في قنواتنا الإعلامية العامة والخاصة عن المنتخب ونكساته، وتعددت الوجوه التي تحلل المباريات وأداء اللاعبين، منها من هي معروفة ومنها من لم نألف رؤيتها على الساحة الكروية. فكانت خيبة الخضر وأدائهم الباهت موضوعا خصبا أفتى فيه كل على طريقته، تماما كالحديث على الانتخابات المحلية المرتقبة والهفوات والخيبات التي رافقت الحملة الانتخابية منذ بدايتها. فبعدما فقد المواطن الثقة في الساسة والسياسة قد يفقد بعد كل ما حصل وسيحصل الثقة في الكرة ومسؤوليها، بعد أن كانت مصدر فرحه الوحيد في جزائر العزة والكرامة.
سقوط امبراطورية الخضر وفقدان الزعامة العربية لم يتحملها العديد من الجزائريين، فعندما يفوز المنتخب يشيد ويفرح به الجميع حتى رجال الإعلام، والويل كل الويل إذا انهزم لأن الجميع سيتحولون إلى مدربين ومحللين. الحالة التي تعيشها كرة القدم الجزائرية أعمق بكثير من عدم المشاركة في نهائيات كأس العالم، خاصة وأن منتخبات قوية وكبيرة فشلت بدورها في فك تأشيرة التأهل إلى المونديال على غرار إيطاليا وهولندا. فعكس أداء المنتخب الوطني مستوى كرة القدم الجزائرية بصفة عامة، فبطولتنا الوطنية دخلت عالم الاحتراف من بابه الضيق فلا ملاعب مهيأة ولا لجان أنصار ناشطة ولا أداء يرضي المناصرين الذين غيروا الوجهة نحو البطولات والمباريات الأوروبية. فالجمهور المنهك بالمشاكل الاجتماعية والمتعطش للأفراح والتتويجات، لم يجد إلا الملعب ليصب جم غضبه فيه فأشبع بعض اللاعبين سبا وشتما خاصة في آخر مباريات المنتخب الوطني، وفي مدرجات الرعب أسلحة بيضاء ومخدرات وكل ما هو ممنوع لذلك يبقى عدد قتلى الملاعب في ارتفاع مستمر. أما الإعلام فقد فقد للأسف موضوعيته ومصداقيته ولم يعطي المشاهد حقة في المعلومة، فيرفع من يشاء إلى أعلى المستويات ويؤيده تحقيقا لمصالحه الخاصة وينتقد ويهاجم آخر أشد هجوم تحقيقا لذات المصالح، وغاب الأسلوب الراقي في المعالجة والتغطية والتحليل، فتحولت قضية تلاسن الناخب الوطني مع أحد الصحفيين إلى قضية رأي عام رغم أنها تحدث في كل دول العالم، ولا تحتاج إلى هذا الهرج والمرج وكل هذا القدر من الاهتمام، في حين أن هناك مواضيع أخرى وجب الوقوف عندها ومعالجتها. كما استحضر إعلامنا أرشيف ملحمة ام درمان التي أهلت الجزائر إلى المونديال بعد أكثر من 20 عاما من الغياب، وهي كلها أحداث ولت وانتهت ولم يبقى منها سوى الذكريات، تماما كمنتخب 82، فمن لا يتقدم سيتراجع حتما ولا ينفعه البكاء على الأطلال.
ولأن الرياضة بصفة عامة وكرة القدم بصفة خاصة تلقى كل هذا القدر من الاهتمام إعلاميا وجماهيريا، أتساءل لماذا نادرا جدا ما يتم الإشارة إليها في الحملات الانتخابية لجلب المزيد من الأصوات من جهة، ولإصلاح القطاع من جهة أخرى، ولتعود كرة القدم لتصنع فرح الجزائريين من جديد بعدما فقد المواطن الثقة في كل شيء، ولأن كرة القدم هي متعة وفرجة قبل كل شيء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق