بكل حرية

هل يعترف “ماكرون” بجرائم فرنسا؟

مع اقتراب زيارة الرئيس الفرنسي “ايمانيوال ماكرون” إلى الجزائر، تجدد الجدل في الوسط السياسي حول ملف الذاكرة التاريخية و المطالبة بالاعتراف بالجرائم الاستعماري، في المقابل، لم تطلب السلطة السياسية بشكل رسمي حق الاعتراف بالإبادة الكولونالية، لكن ماذا سيكون موقف “ماكرون” هذه المرة كرئيس دولة بعدما صرح بأن الاستعمار كان جريمة في حق الانسانية خلال حملة الانتخابات الرئاسية.

الواقع ان الرئيس الفرنسي بعد تصريحاته في الجزائر وجد نفسه محاصرا بالجماعات الذاكراتية كما يلقبها المؤرخ “بن جمين ستورا” وهم الأقدام السوداء والحركى و نوستالجيا المنظمة السرية الخاصة ومعطوبي قدماء الحرب، ناهيك عن أن التعاطي مع التاريخ يشكل قنبلة في الوسط السياسي و الاكاديمي الفرنسي.

وضمن هذا المنوال، فإن التحرر من الاشكاليات التاريخية و اتساع الجانب الثقافي و الفكري خارج السياقات التقليدية الفرنسي الذي يضطلع به الرئيس الفرنسي بيدا انه ـربماـ لم يستوعب درجة الحضور التاريخي البطولي في المخيال الفرنسي او البعض منه كجزء من الهوية الوطنية الفرنسية.

وعرف الخطاب السياسي حول الماضي الاستعماري تطورات على مستوى التوظيف المصطلحاتي و بحذر ، فالمتداول اعلاميا و رسميا ان حرب التحرير كانت عمليات اعادة النظام و الامن على مستوى الاوطان المستعمرة الى غاية مجيء الرئيس “جاك شيراك” اول من استخدم كلمة الحرب في وصف ما جرى في الجزائر.

ومع مرور الزمن، خطى “ليونال جوسبان” الخطوة نفسها نحو كسر الطابوهات بالمطالبة بفتح الأرشيف حول احداث 17 اكتوبر 1961، فيما وصف “فرنسوا هولاند” هذه الأحداث بجريمة دولة في حق المهاجرين الجزائريين، تلي ذلك زيارةالوزير المنتدب المكلف بقدامى المحاربين بمناسبة مجازر 8 ماي 1945 في ابريل 2015 وسط تحفظ الاوساط اليمنية
المحافظة.

وعلى النقيض، شاركت وحدة عسكرية من الجيش الشعبي الوطني في احتفالية عيد الاستقلال 14 جويلية في خطوة من
الدولة الجزائرية لتقليص الهوة التاريخية الصراعاتية، عقبتها ،بعد ذلك، زيارة وزير المجاهدين”الطيب زيتوني” الى باريس تناول فيها مسالة الارشيف.

وشهد الحقل الادبي والتاريخي تطورا خاصة في فرنسا اعترافات حول حالات التعذيب و الاعدامات و الاعتداءات التي مسّت جزائريين، و في الاطار ذاته، دعت بعض الوجوه الأكاديمية الجزائرية – الفرنسية على غرار “مليكة رحال” و”محمد حربي” و “علي بلقاضي” بضرورة استرجاع جماجم بعض مقاومي الثورات الشعبية كبادرة اولية لتطبيع العلاقة بين البلدين.

وفي نظر “لحسن خلاص”، المهتم بالتاريخ الوطني، ان التوجهات العامة و الكبرى للسياسة الفرنسية لا يحددها الاشخاص بقدر ما تحددها عوامل اخرى موضوعية، إذ يعتقد ان “ماكرون” لن يرتد عن النهج الذي سلكه سلفه من حيث المنظور البراغماتي المبني على تنمية الشراكة الاقتصادية و التعاون المشترك، متوقعا مواصلة “ماكرون” شجبه لجرائم الاستعمار دون الاعتراف بان الاستعمار بذاته جريمة .

وعليه، فإن المقاربة الاقتصادية و التنمية المشتركة ومكافحة الارهاب و الازمات الاقليمية ستكون المحاور الاهم في جدول اعمال الرئيس الفرنسي، خلال زيارة العمل، لكن المؤكد اعلاميا أن الزيارة ستحمل اشارات التنديد بالعنف الاستعماري و الابادة الكولونالية كاستهلاك اعلامي موجه الى الداخل دون اعتراف الدولة الفرنسية بتحمل جرائمها.

ومما لا شك فيه، أن هناك اعتقاد سائد داخل الدوائر الفرنسية بان الاعتراف بجبهة التحرير الوطني خلال مفاوضات ايفيان كالممثل الشرعي الوحيد للشعب الجزائري و احقية هدا الشعب في الاستقلال و استغلال ارضه على حساب مكونات اخرى محلية مثل الحركة الوطنية الجزائرية بقيادة مصالي الحاج او اطراف من الكولون و اقصاء الطرف المغربي و التونسي في ترسيم الحدود هو حد ذاته اقصى الاعترافات.
ومن المتوقع، أن يلتزم “ماكرون” بالنهج القديم والجديد مع اضافة نوعية على مستوى الخطاب غير الرسمي الذي يردده طيلة محطاته في القارة الإفريقية، أنه من جيل غير مرتبط شعوريا أو روحيا بالماضي الاستعماري، وعلى هذا الاساس، تبقى الابعاد التاريخية و النفسية تطارد الضمير الفرنسي فيما ارتكبه في حق الاوطان المستعمرة من تفكيك بنياتها الاجتماعية، ذلك أن “فرنسا ستظل مريضة بتاريخها الماضي، كما قال المؤرخ “هنري غوسو”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق