بكل حرية

الأمـــة النائــمـة

لم تمر إلا أيام قليلة عن الصور المرعبة التي تداولتها وسائل الإعلام العربية والعالمية، والمتمثلة في مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد صالح بطريقة بشعة مع التنكيل بجثته. صدمة أخرى لم يتقبلها كل العرب والمسلمين وهو الاعتراف الأمريكي بالقدس الشريف عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، وهي القضية التي لمح لها رؤساء أمريكا السابقون ترجمها ترامب إلى حقيقة مرة، تبعتها ردود أفعال لم تتجاوز مرة أخرى عبارات التنديد والرفض والاستنكار وكأن هذه العبارات كانت يوما مرهما للجروح أو بلسما للأمراض أو دفعت المجرم الجزاء الذي يستحق.
جرائم إسرائيل وحلفاءها ضد الفلسطينيين تجاوزت الخطوط الحمر فبعد الاقتحامات المتكررة لباحات المسجد الأقصى وتطويقه، وبناء المستوطنات غير القانونية والاعتقالات الإدارية والتعسفية التي تطال الجميع حتى الأطفال، والقتل العشوائي للمدنيين والحصار العقابي وحرب الأمعاء الخاوية التي يشنها الفلسطينيون في سجون الاحتلال بسبب سوء المعاملة والتعذيب والتغذية القسرية، وجرائم فظيعة أخرى كحرق وتدمير المنازل ودور العبادة وإحراق أشجار الزيتون والمحاصيل في مزارع وأراضي الفلسطينيين، وصلنا إلى ما تخوف منه الجميع وهو إعلان القدس الشريف عاصمة للاحتلال الإسرائيلي. وهو اختبار جديد للإرادة العربية التي تعودت الصمت تجاه القضية المتجذرة عبر التاريخ والممتدة لعقود طويلة بدءا من عام 1897 (المؤتمر الصهيوني الأول) وإلى يومنا هذا. القرار الأمريكي الصادم رافقته مظاهرات واحتجاجات رافضة وتنديد وغضب وشجب في العديد من دول العالم نصرة للقدس، وبعيدا عن الرفض تداعيات أخرى ستتبع القرار، ويبدو أن بداية تراجع أخطر التنظيمات الإرهابية وطردها من معاقلها في سوريا والعراق، جعل أمريكا تفكر في خلق بئر توتر جديدة، لذلك لم تستبعد كغيرها من الدول انتفاضة فلسطينية ثالثة ردا على القرار. أما سياسيا ليس مستبعدا أن تعيش كل من أمريكا وإسرائيل عزلة من قبل عديد الدول المتضامنة مع فلسطين حتى إن كانت مؤقتة، كما أن القرار قد ينسف بمحادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية الممتدة لسنوات دون أن تجد لها انفراجة، أو قد يجعل واشنطن تنسحب من هذه المحادثات.
ورغم أن البرلمان الأمريكي قد صوت منذ العام 1995على الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي ونقل سفارة واشنطن إليها، إلا أن كل رؤساء أمريكا السابقون قد أرجأوا تنفيذ هذا القانون. فما هو السبب الذي جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتخذ هذا القرار؟ ويبدو أن وصف ترامب بالرجل المعتوه والغريب الأطوار، أعطاه الجرأة والشجاعة لاستفزاز العرب والمسلمين أشد استفزاز بإعلانه القدس عاصمة للاحتلال. ويظن الرئيس الأمريكي أن قرارا كهذا قد يعيد له الاعتبار بعد عجزه في صد التجارب الصاروخية لكوريا الشمالية التي أصبحت تشكل تهديدا لأمريكا. من جهة أخرى قد يجعل القرار الأمريكي المستفز حزب الله اللبناني يدخل خط المواجهة مع إسرائيل من جديد بعد حرب 2006.
وبالعودة إلى ردود الفعل العربية التي لم تتجاوز لحد الساعة التنديد والرفض والعديد من المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، فإن ردود الفعل الملموسة والحقيقية أصبحت ضرورة حتى إن كانت مستبعدة، فالاتحاد الأوروبي مثلا لم يكترث لمعاناة الفلسطينيين أو مشاعر المسلمين، ولكنه حذر ترامب من اتخاذ القرار خشية تذبذب علاقاته من الدول الداعمة للقضية الفلسطينية على غرار تركيا التي هددت بقطع علاقاتها مع إسرائيل في حال أعلنت القدس عاصمة لها. ومهما كانت أسباب هذا الإعلان الصادم والمستفز وتداعياته فالنتيجة واحدة نكسة عربية ونكبة فلسطينية، فأمتنا النائمة وحالها المزري هو في الحقيقة من أكسب ترامب هذه الجرأة فتعودها على الصمت والمراوحة جعل العديد من الجرائم تمر دون حساب. أما قول بعض المتفائلين بأن الرئيس الأمريكي قد يعدل عن هذا القرار بفعل ضغط المجتمع الدولي والشعوب العربية الرافضة، فهي الأمنية التي نريدها أن تتحقق.

مقالات ذات صلة

إغلاق