بكل حرية

تدمير ما تبقى من سوريا

يبدو أن الاحتمال القائل بأن الهدوء ونهاية الصراع في سوريا لا يخدم العديد من الأطراف، صحيح فعلا، فبمجرد أن اقتربت الحرب من أن تضع أوزارها بعد طرد مقاتلي ما يسمى بتنظيم “داعش” من العديد من معاقله في سوريا، وبوادر الحل السياسي بدأت بالظهور مع استمرار محادثات ومفاوضات السلام من جنيف إلى أستانا وصولا إلى فيينا وسوتشي الروسية. ثبت أن مسلسل الدمار في سوريا لم ولن ينتهي بعد، بعد تدخل القوات التركية في مدينة عفرين شمالي سوريا لكن لقتال الأكراد هذه المرة. تطورت الأحداث في سوريا بشكل متسارع حتى تعددت أطرافها، ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية اللاعب الأول في إدارة دفة أحداثها بتحالف دولي بحجة محاربة الإرهاب، بعد تقدم الدور الروسي والإيراني برؤية واضحة وهي دعم الأسد. لتكون سوريا مسرحا للخلافات وتصفية الحسابات، خاصة أن القضية السورية تمس فعلا الكيان الصهيوني ومستقبله. ومن آخر مستجدات الأزمة “غصن الزيتون” وهي عملية أطلقها الجيش التركي لطرد المقاتلين الأكراد من منطقة عفرين بريف حلب، وعلى رأسها تنظيم PYD “حزب الاتحاد الديمقراطي” وهو حزب سياسي أنشىء عام 2003، ينشط في المناطق التي يعيش فيها الأكراد في سوريا. وypg “وحدات حماية الشعب” وهي قوات شعبية كردية، تختص بحماية الأكراد بشكل أساسي في سوريا، وكلاهما حليفين لحزب العمال الكردستاني PKK المحظور في تركيا والذي تحاربه منذ سنوات عدة، وترى أنقرة انه منذ احتلالهم مناطق شمالي سوريا ومقاتلوهم ينفذون جرائم ضد أهالي المنطقة من الأكراد قبل غيرهم من العرب والتركمان، وضد كل من لا يركب مركبهم، تماما كفكر وايديولوجية “داعش”. إضافة إلى قيامهم بعمليات إرهابية ضد المدنيين داخل الأراضي التركية. وتضيف تركيا أن عملية “غصن الزيتون” لم تأت من أجل الحرب وإنما من أجل السلام وسلامة المدنيين في المنطقة، وللقضاء على الإرهابيين.

ومهما كان سبب هذه العملية وغيرها من العمليات المشابهة فالنتيجة واحدة صراع وحرب متواصلة، وتدمير ما تبقى من الأرض السورية وتشريد وقتل المزيد من السوريين، ففي سوريا فقط عدد القتلى أكثر من الجرحى وفي سوريا فقط من يقتل بالكيماوي فقد تجاوز الخطوط الحمراء، أما القتل بالطرق الأخرى فهو جائز ومباح. وفي الحقيقة فلا أمريكا ولا غيرها ممن يسارعون في عقد مفاوضات السلام يريدون الاستقرار في سوريا، فما يجري ليس أكثر من مجرد مراوحة، فلا تستطيع أمريكا التخلي عن الكرد وستواصل تسليحهم كي لا تخرج مهزومة من سوريا، في حين أن تركيا ترى أن أمنها القومي مهدد من قبل الكرد، أما روسيا المحرك الأقوى لعملية البحث عن حل سياسي للأزمة السورية فتأمل أن تطور علاقاتها مع تركيا، وأشياء أخرى تفرضها المصالح في حرب المصالح التي تتكبدها سوريا منذ سنوات.
الوضع القائم في سوريا يساعد التنظيمات الإرهابية في إعادة بناء نفسها من جديد فهي لن تستسلم بسهولة، بعدما تم طردها من أهم معاقلها بسوريا وقتالها بشراسة. ولأن المتدخلين في الحرب السورية لم يجدوا لأنفسهم قيادات مقبولة تسيطر على الدولة، ولأن الحل في سوريا ربطه الأغلبية برحيل الأسد من عدمه، ولأن الاستقرار في المنطقة معناه الهدوء الذي تشمئز منه أمريكا وحلفاءها، اختار الجميع الدفع نحو استمرار القتال لتدمير ما تبقى من سوريا.

مقالات ذات صلة

إغلاق